[من روائع الأبحاث]
(فصل: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
قال أبو هلال العسكري:
سورة الأعراف
{فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ... (22) }
أخرج ما لا يرى من تنقّصهم بآيات القرآن إلى الخوض الذي يرى. وعبّر عن فعل إبليس الذي لا يشاهد بالتدلّى من العلوّ إلى سفل وهو مشاهد.
{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ... (54) }
كلمتان استوعبتا جميع الأشياء على غاية الاستقصاء. وروى أنّ ابن عمر رحمه الله قرأها، فقال: من بقي له شيء فليطلبه.
{أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) }
فتكرير ما كرّر من الألفاظ هاهنا في غاية حسن الموقع.
وقيل لبعضهم: متى يحتاج إلى الإكثار؟ قال: إذا عظم الخطب. وأنشد:
صموت إذا ما الصّمت زيّن أهله ... وفتّاق أبكار الكلام المحبّر
وقال آخر:
يرمون بالخطب الطّوال وتارة ... وحي الملاحظ خشية الرّقباء
وقال بعضهم:
إذا ما ابتدى خاطبا لم يقل ... له أطل القول أو قصّر
طبيب بداء فنون الكلا ... م لم يعى يوما ولم يهذر
فإن هو أطنب في خطبة ... قضى للمطيل على المقصر
وإن هو أوجز في خطبة ... قضى للمقلّ على المكثر
ووجدنا الناس إذا خطبوا في الصّلح بين العشائر أطالوا وإذا أنشدوا الشّعر بين السّماطين في مديح الملوك أطنبوا والإطالة والإطناب في هذه المواضع إيجاز.
{وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ... (154) }
معناه ذهب، وسكت أبلغ لأن فيه دليلا على موقع العودة في الغضب إذا تؤمل الحال، ونظر فيما يعود به عبادة العجل من الضرر في الدين، كما أن الساكت يتوقّع كلامه.
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) }
فجمع جميع مكارم الأخلاق بأسرها لأنّ في العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين، وفي الأمر بالعرف تقوى الله وصلة الرّحم، وصون اللسان عن الكذب، وغضّ الطّرف عن الحرمات، والتبرّؤ من كل قبيح لأنه لا يجوز أن يأمر بالمعروف وهو يلابس شيئا من المنكر وفي الإعراض عن الجاهلين الصّبر والحلم وتنزيه النفس عن مقابلة السفيه بما [[يوتغ الدين ويسقط القدرة] ]. انتهى انتهى {الصناعتين لأبي هلال العسكري} ...