و {فريقاً} الأوّلُ والثّاني منصوبان على الحال: إمَّا من الضّمير المرفوع في {تعودون} ، أي ترجعون إلى الله فريقين، فاكتُفي عن إجمال الفريقين ثم تفصيلِهما بالتّفصيل الدّال على الإجمال تعجيلاً بذكر التّفصيل لأنّ المقام مقام ترغيب وترهيب، ومعنى {فريقاً هدى} : أنّ فريقاً هداهم الله في الدّنيا وفريقاً حقّ عليهم الضّلالة، أي في الدّنيا، كما دلّ عليه التّعليل بقوله: {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله} ، وإمّا من الضّمير المستتر في قوله: {مخلصين} أي ادْعُوه مخلصين حال كونكم فريقين: فريقاً هداه الله للإخلاص ونبذِ الشّرك، وفريقاً دام على الضّلال ولازم الشّرك.
وجملة: {هدى} في موضع الصّفة لفريقاً الأوّل، وقد حذف الرّابط المنصوب: أي هداكم الله، وجملة: {حق عليهم الضلالة} صفة {فريقاً} الثّاني.
وهذا كلّه إنذار من الوقوع في الضّلالة، وتحذير من اتّباع الشّيطان، وتحريض على توخي الاهتداء الذي هو من الله تعالى، كما دلّ عليه إسناده إلى ضمير الجلالة في قوله: {هدى} فيعلم السّامعون أنّهم إذا رجعوا إليه فريقين كان الفريق المفلح هو الفريق الذين هداهم الله تعالى كما قال: {أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22] وأنّ الفريق الخاسر هم الذين حَقّت عليه الضّلالة واتّخذوا الشّياطين أولياء من دون الله كما قال: {أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} [المجادلة: 19] .
وتقديم فريقاً الأوّل والثّاني على عامليهما للاهتمام بالتّفصيل.
ومعنى: حق عليهم الضلالة ثبتت لهم الضّلالة ولزموها.
ولم يقلعوا عنها، وذلك أنّ المخاطبين كانوا مشركين كلّهم، فلمّا أمروا بأن يعبدوا الله مخلصين افترقوا فريقين: فريقاً هداه الله إلى التّوحيد، وفريقاً لازم الشّرك والضّلالة، فلم يطرأ عليهم حال جديد.