[من روائع الأبحاث]
ومن فوائد ولطائف ابن القيم:
وأما قَول أهل الْجنَّة {الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أن هدَانَا الله} فَيحْتَمل أن يَكُونُوا أرادوا الْهِدَايَة إِلَى طَرِيق الْجنَّة، وَأَن يَكُونُوا أرادوا الْهِدَايَة فِي الدُّنْيَا الَّتِي أوصلتهم إِلَى دَار النَّعيم.
وَلَو قيل إِن كلا الْأَمريْنِ مُرَاد لَهُم وأنهم حمدوا الله على هدايته لَهُم فِي الدُّنْيَا وهدايتهم إِلَى طَرِيق الْجنَّة كَانَ أحسن وأبلغ.
(فائدة)
قال أهل الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّه} ولم يريدوا أن بعض الهدى منه وبعضه منهم، بل الهدى كله منه، ولولا هدايته لهم لما اهتدوا.
(فصل)
وهاهنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أن الجنة إنما تدخل برحمة الله تعالى وليس عمل العبد مستقلا بدخولها وإن كان سببا ولهذا أثبت الله تعالى دخولها بالأعمال في قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ونفى رسول الله دخولها بالأعمال بقوله
"لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله"
ولا تنافي بين الأمرين لوجهين:
أحدهما: ما ذكره سفيان وغيره قال كانوا يقولون النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة برحمته واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال ويدل على هذا حديث أبي هريرة الذي سيأتي إن شاء الله تعالى أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم رواه الترمذي
والثاني: أن الباء التي نفت الدخول هي باء المعاوضة التي يكون فيها أحد العوضين مقابلا للآخر والباء التي أثبتت الدخول هي باء السببية التي تقتضي سببية ما دخلت عليه لغيره وأن لم يكن مستقلا بحصوله وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الأمرين بقوله:
"سددوا وقاربوا وأبشروا واعلموا أن أحدا منكم لن ينجو بعمله"
قالوا: ولا أنت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال:"ولا أنا ألا أن يتغمدني الله برحمته".
ومن عرف الله تعالى وشهد مشهد حقه عليه ومشهد تقصيره وذنوبه وأبصر هذين المشهدين بقلبه عرف ذلك وجزم به. والله سبحانه وتعالى المستعان.