وبذلك يظهر حسن موقع لفظ: {حق} هنا دون أن يقال أضلّه الله ، لأنّ ضلالهم قديم مستمر اكتسبوه لأنفسهم ، كما قال تعالى في نظيره: {فمنهم من هدى اللَّه ومنهم من حقت عيله الضلالة} [النحل: 36] ثمّ قال {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} [النحل: 37] ، فليس تغيير الأسلوب بين: {فريقاً هدى} وبين {وفريقاً حق عليهم الضلالة} تحاشيا عن إسناد الإضلال إلى الله ، كما توهمه صاحب"الكشاف"، لأنّه قد أسند الإضلال إلى الله في نظير هذه الآية كما علمت وفي آيات كثيرة ، ولكنّ اختلاف الأسلوب لاختلاف الأحوال.
وجُرد فعل حقّ عن علامة التّأنيث لأنّ فاعله غير حقيقي التّأنيث ، وقد أظهرت علامة التّأنيث في نظيره في قوله تعالى: {ومنهم من حقت عليه الضلالة} [النحل: 36] .
وقوله: {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله} استئناف مراد به التّعليل لجملة {حقت عليه الضلالة} [النحل: 36] ، وهذا شأن (إنّ) إذا وقعت في صدر جملة عقب جملة أخرى أن تكون للرّبط والتّعليل وتغني غَنَاء الفاء ، كما تقدّم غيرَ مرّة.
والمعنى أنّ هذا الفريق ، الذي حَقت عليهم الضّلالة ، لمّا سمعوا الدّعوة إلى التّوحيد والإسلام ، لم يطلبوا النّجاة ولم يتفكّروا في ضلال الشّرك البيِّن ، ولكنّهم استوحوا شياطينهم ، وطابت نفوسهم بوسوستهم ، وائتمروا بأمرهم ، واتّخذوهم أولياء ، فلا جرم أن يدوموا على ضلالهم لأجل اتّخاذهم الشّياطين أولياء من دون الله.