وأما"وادَّكرُوا"فأراد تذكروا ، وهذا كقوله تعالى: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا} 1.
ومن ذلك قراءة السُّلمي:"إيَّان مرساها"2 بكسر الهمزة.
قال أبو الفتح: أما"أَيَّان"بفتح الهمزة فَفَعْلان ، وبكسرها فِعْلان ، والنون فيهما زائدة حملًا على الأكثر في زيادة النون في نحو ذلك.
فإن قيل: فهلا جعلتها فَِعَّالا من لفظ أين ، قيل: يمنع من ذلك أن أيان ظرفُ زمان وأين ظرف مكان ؛ لكنها ينبغي أن تكون من لفظ"أي"؛ لما ذكرناه من اعتبار زيادة النون في نحو هذا.
ولأن"أيًّا"استفهام كما أن"أَيان"استفهام ، وأن"أَيّ"أين كانت فهي بعض من كل ، والبعض لا يخص زمانًا من مكان ولا جوهرًا من حدث ، فحملها على"أي"أولى من حملها على أين.
وقد كنا قلنا في أي هذه: إنها من لفظ أَوَيْتُ ومعناه.
أما اللفظ فلأن باب طويت وشويت أضعاف باب حَيِيت وعَيِيت.
وأما المعنى فلأن البعض آوٍ إلى الكل ومتساند إليه ، فهي إذن من قوله:
يأْوي إلى مُلْطٍ له وكَلْكَلِ3
يصف البعير يقول: إنه يتساندُ بعضُه إلى بعض ، فهو أقوى له ، فأصلها على هذا أَوْيٌ ، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصارت أَيّ ، كقولك: طويت الكتاب طيًّا ، وشويت اللحم شَيًّا.
ولو سمت رجلًا بأَيّان ، فتحت الهمزة أو كسرتها ، لم تصرفه معرفة ؛ لأنها كحَمْدان وعِمْران ، وإن كسَّرت ذلك الاسم على سِرْحان وسَراحين وحَوْمانة4 وحوامِين قلت: أوايين ، فظهرت الواو التي هي عين أَوَيْتُ ، كقولك في تكسير ريَّان أو جمعه على مثال مفاعيل: روايِين ، تظهر الواو التي هي عينه لزوال علة القلب عنها.
1 سورة النمل: 47.
2 سورة الأعراف: 187 ، وفي الأصل:"أيان يبعثون"، وهذه في النحل: 21 ، وفي النمل: 65 ، وكسر همزة أيان لغة سليم ، ومنهم السلمي. البحر المحيط: 4/ 419 ، 434.
3 الملط: جمع ملاط ككتاب ؛ وهو المرفق ، الكلكل: الصدر.
4 الحومانة: المكان الغليظ المنقاد.