قوله تعالى: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ ... (85) }
إن قلت: لم عبر في الأول بالمصدر وفي الثاني بالاسم؟ فالجواب بثلاثة أوجه:
الأول: أنه من حذف التقابل؛ أي أوفوا الكيل بالمكيال والوزن بالميزان.
الثاني: أن البخس الغالب أن يكون في الكيل والميزان لَا في الوزن.
الثالث: أن الوفاء من جهة المكيال أن يفعل في الكيل لَا في المكيال والوفاء من جهة الميزان أن يكون فيه لَا في الوزن.
قوله تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) .
أخذ منه بعض الموثقين أن من أحدث حفرة بإزاء دار فإِنه يمنع ولو لم يضر بها لأنه يبخس من ثمنها.
قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .
إن كان شرطا في الأمر دل على أن الكفار غير مخاطبين.
قوله تعالى: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ ... (86) }
إن قلت: لَا يلزم من النهي من الكل النهي عن البعض، قلت: قد تقدم أن ليس كل من أسرار الجزئية السابقة، و (إِنْ) دلالتها على سبيل الحكم من الكل مطابقة، وعن البعض التزام، فإِن قلت: لأي شيء عدل عن الأمثل؟ قلت للتشنيع عليهم، وأنهم كانوا يقعدون بكل صراط يوعدون؛ (وَتَصُدُّونَ) : أي توعدون من لَا حكم لكم عليه ولا سلطان، وتصدون من ينقاد لكم ويطيع أمركم، وتبتغون عوجا لمن يطالبكم بالدليل، وتعلمون أن له نظرا واعتبارا وتأملا، وهو إشارة إلى اختلاف حالهم باعتبار من يصدونه ممن لَا علم عنده ولا فطنة يكتفون فيه بالصد والتوعد، ومن له بعض ممارسة يظهرون له اعوجاجا؛ فاصبروا على أن الخطاب للفريقين يكون وعدا للمؤمنين ووعيدا للكافرين، وتكون صيغة أفعل حينئذ مشتركة بين التهديد والإشارة.
قوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ... (88) }
قال: أو هنا للتخيير بين إخراجهم من القرية أو عودهم إلى دين الكفر.
قوله تعالى: (أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) .
ولم يقل: مكرهين. لأن الإكراه أعم إذ قد لَا يكون المكره كارها بل راضيا، وهذا قال في الزاني فكره أنه يحد، وهذا مثل ما قال اللخمي في طلاق المكره: أنه يجب عليه أن ينوي أنه لم يطلق، فدل على أنه يكون غير كاره.
قوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) }
ابن عرفة: هذا يسمى قلب النكتة؛ لأنهم قالوا: (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ) .
فإن قلت: ما جواب القسم؟ قلت: إنكم لخاسرون سد مسد الجوابين.
وتعقبه أبو حيان وتعقبه غير صحيح؛ لجواز أن يكون مراد الزمخشري سد مسدهما أن الشرط وجوابه في موضع جواب القسم.
قوله تعالى: {فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) }
المراد به الكفر الأخص وهو تكذيبه في تبليغه ونصحه. انتهى انتهى {تفسير ابن عرفة. 2/ 235 - 236} ...