وأما ما كان من دار الإسلام إلا أن الفساد كان غالباً فيه أو بعض الأهواء، أو كان أهله ظاهرين على أهل الحق فلا تحبب الهجرة منه.
وكذلك المسلم في دار الكفر إنما كان على دينه، ولا يعرض له ولم يكن يخاف أحداً على دينه ولا نفسه ولا ماله، فليس عليه أن يهاجر منها إلى غيرها.
وأما الأول فلأن الدار دار الإسلام، فلا يجب على مسلم هجر داره.
وأما الآخر فلأن مكانه من دار الكفر قد ظهر من نجاسة الكفر، فصارت له كالدار كلها لأهله، لو أسلموا مكانه فإن أوذي أو منع من التدين بالإسلام هاجر إن استطاع، لأنه قد صار محولاً بينه وبين سكانه من الدار، إذ قد فارق أن تكون له مأمناً وعقداً، كما تكون المساكن لأهلها، ولا سبيل إلى رفض الدين.
فأما إذا لم يمكنه أن يقيمه إلا بالهجرة، هاجر والله أعلم.
وأما قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} .
فالمراد يد القادرين على الهجرة من مسلمي أهل مكة إذا لم يلحقوا برسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ، يوعدهم الله - عز وجل - لهذا الوعيد الغليظ على تلك الهجرة، واستثنى العاجزين عنها ذكوراً كانوا أو أناثاً، وكباراً أو صغاراً، ومناهم العفو والمغفرة، ثم أخبر عما في الهجرة من الفضل والمهاجر من الثواب، فقال: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ} .
فأخبر أن أجره لا يضيع وعمله لا يحبط عاش حتى وصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أو احترم دونه.
وهذا كله قبل الفتح، فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام سقط فرض الهجرة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: «لا هجرة بعد اليوم» .
وإنما كانت الهجرة قبل الفتح واجبة لمعنيين.
أحدهما حيلولة المشركين من أسلم بها، وبين التدين بالإسلام والعمل به، وكانوا هم الظاهرين عليها ولم يكونوا يطافون.
والآخر أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - هو الإمام والمتبع، فلما هاجر من مكة وهي وطنه، وفيها عشيرته، لم يكن لمسلم أن يرغب بنفسه فيقيم بها وهو مفارق إياها، رغبة عنها لظهور الكفر فيها واستيلاء الكفر عليها.