فلما فتح الله تعالى مكة لنبيه - صلى الله عليه وسلّم - فصارت دار الإسلام بعوده إليها، زال المعنيان جميعاً، فزال معنى الهجرة.
وفي وجوب الهجرة على من أسلم بمكة معنى ثالث، ولكنه ذلك إنما يكون بعد نزول فرض القتال، لزم المسلمين من أهل مكة أن يتحيزوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - ليكونوا معه يداً واحدة على قتال المشركين، ولئلا يغتالهم أهل مكة إن سمعوا أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قد هم بقصدهم وقتالهم، فتجتمع لهم الأمة على أنفسهم، والاجتماع مع إخوانهم على قتال الأعداء والله أعلم.
فإن قيل: فما الذي يفعله المبتلى لمجاورة الفساق وأهل الأهواء؟
قيل: يعمل لخاصته، ويدرأ العوام، وقد يمكنه من ذلك ما لم يمكن المبتلى بمجاورة المشركين، لأن الفساق يعلمون أنه خلاف ما هم فيه، فلا يحملهم ذلك على أن يتحولوا بين الصلح وإصلاحه، وأهل الأهواء قد علموا من أنفسهم أنهم متأولون، والمتأول قد يخطئ ويصيب فلا يحملهم ذلك أيضاً على أن يكرهوا أحداً منهم من يخالفه على اتباع هواه، فيصير المحق أن يرجى بين ظهرانيهم أيامه، وليكن المصلح أيضاً أن يدافع فيما بين المفسدين أوقاته، وليس المشركين كذلك لأنهم يعتقدون أنهم المحقون، وأن المسلمين هم المبطلون قطعاً بذلك وبناء فلا يبعد أن يحملهم ذلك على قتل المسلمين واغتيالهم.
فلذلك يلزمه إذا أشفق على نفسه ويخاف أن يقضي على دينه وإن لم يكن له منهم مخافة فلا هجرة عليه والله أعلم. انتهى انتهى {المنهاج في شعب الإيمان، للحَلِيمي} ...