أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نؤمن بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه من رب العالمين إلى فلان بن فلان ، ونؤمر فيه باتباعك ، ونظيره {لَن نُّؤْمِنَ لكَ حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَءهُ} [الإسراء: 93] وقال: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 7] وقيل: إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءة من النار ، وقيل: كانوا يقولون بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح مكتوباً على رأسه ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك ، وهذا من الصحف المنشرة بمعزل ، إلا أن يراد بالصحف المنشرة ، الكتابات الظاهرة المكشوفة ، وقرأ سعيد بن جبير {صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} بتخفيفهما على أن أنشر الصحف ونشرها واحد ، كأنزله ونزله.
كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53)
{كَلاَّ} وهو ردع لهم عن تلك الإرادة ، وزجر عن اقتراح الآيات.
ثم قال تعالى: {بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة} فلذلك أعرضوا عن التأمل ، فإنه لما حصلت المعجزات الكثيرة ، كفت في الدلالة على صحة النبوة فطلب الزيادة يكون من باب التعنت.
كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55)
ثم قال تعالى: {كَلاَّ} وهو ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة.
ثم قال تعالى: {إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ} يعني تذكرة بليغة كافية {فَمَن شَاء ذَكَرَهُ} أي جعله نصب عينه ، فإن نفع ذلك راجع إليه ، والضمير في {إِنَّهُ} {وذكره} للتذكرة في قوله: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ} [المدثر: 49] وإنما ذكر (ت) لأنها في معنى الذكر أو القرآن.
{وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله} .