3 ـ وأخيراً فقد جعل عبد القاهر وجه الإعجاز القرآني في نظمه، وجعل النظم علة من أهم علل التأثير في النص القرآني في سامعه وقارئه، يقول الجرجاني: (ومَن هذا الذي يرضى من نفسه أن يزعم أن البرهان الذي بان لهم ـ أي للعرب ـ والأمر الذي بهرهم، والهيبة التي ملأت صدورهم، والروعة التي دخلت عليهم فأزعجتهم حتى قالوا:(إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر) إنما كان لشيء راعهم من موقع حركاته، ومن ترتيبه وبيان سكناته، أو الفواصل في أواخر آياته؟ من أين تليق هذه الصفة وهذا التشبيه بذلك؟ أم ترى أن ابن مسعود، حين قال في صفة القرآن: (لا يتفه ولا يتشان) !، وقال: إذا وقعت في ال. حم) وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن)، قال ذلك من أجل أوزان الكلمات، ومن أجل الفواصل في أخريات الآيات؟
3 ـ ابن قيم الجوزية (ت 751 هـ) ورأيه في الإعجاز التأثيري:
في كتابه (الفوائد) شرح ابن القيم مسألة تأثير القرآن على سامعه وقارئه فقال: (إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور مَن يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله، قال تعالى:(إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) ، وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفاً على مؤثر مقتض ومحل قابل وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه، تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه، وأدله على المراد. فقوله (إن في ذلك لذكرى) إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا، وهذا هو المؤثر، وقوله: (من كان له قلب) فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين * لينذر مَن كان حياً) . أي حي القلب. وقوله تعالى: (أو ألقى السمع وهو شهيد) أي وجَّه سمعه وأصغى حاسة سمعه، إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثير بالكلام. وقوله: (وهو شهيد) أي شاهد القلب، حاضراً غير غائب. قال ابن قتيبة: استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه، وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله.