ولما سمعته الجن لم تتمالك أن قالت: (إنّا سمعنا قرآناً عجباً * يهدي إلى الرشد فآمنّا به) ،ومصداق ما وصفناه في أمر القرآن في قوله تعالى: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) ، وقوله تعالى: (الله نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) ،وغير ذلك في آي ذوات عدد منه، وذلك لمن ألقى السمع وهو شهيد، وهو من عظيم آياته، ودلائل معجزاته.
2 ـ الإعجاز التأثيري عند عبد القاهر الجرجاني (ت 473 هـ) :
نبه الدكتور محمد بركات أبو علي إلى مسألة هامة في بحثنا هذا، وهي: تأثر عبد القاهر بسلفه الخطابي في نظرته لإعجاز القرآن. يقول الدكتور محمد بركات: (مما تميز به الخطابي: أنه أبرز وجهاً للإعجاز، وهو الأثر النفسي، وأصبح هذا الرأي أساساً من أسس نظرية عبدا لقاهر في النظم في كتبه وكتب بعض المعاصرين في الأدب ... ) .
وذكر بعض الباحثين: أن عبد القاهر الجرجاني كان يعتمد على ذوقه الوجداني في حديثه عن إعجاز القرآن، وعرضه لموقف البلاغيين، وكيف أنهم انشغلوا بقضية اللفظ والمعنى، حتى وصلوا في التقسيم والتبويب إلى درجة من التعقيد لا تطاق، ولم يستثن منهم سوى عبدالقاهر، لأنه تذوق النص القرآني، وتفاعل وتأثر به تاثراً واضحاً.
والدكتور عبد الكريم الخطيب عندما تعرض لموقف عبد القاهر من قضية الإعجاز فقال عنه:) إن عبد القاهر لم يتحدث عن الإعجاز حديثاً مباشراً، وإنما جعل وجه الإعجاز عنده يقوم على الذوق الوجداني). وقال أيضاً: (ولو لم يكن لعبد القاهر فضل هنا إلا أنه دفع عن البلاغة هذا المفهوم الخاطئ الذي كان يذهب مذاهب الجدل اللفظي البعيد عن الذوق الجمالي والجائر على حظ العاطفة والوجدان منها ـ لو لم يكن له إلا هذا لكان ذلك فضلاً كبير يعرف له، ونستطيع أن نستنبط من هذه الأقوال: أن عبد القاهر كان له رأي في مسألة الإعجاز التأثيري. وقد حاولت البحث فيما تحدث به عن هذا الوجه فوجدته عندما حاول التدليل على عجز العرب أمام القرآن، وذلك من خلال أقوالهم، وذكر أمثلة ثلاثة، هي: