والعاقل الْمُؤَيد بالتوفيق يعْتَبر بِدُونِ هَذَا وَيتم نقائص خلقته بفضائل أخلاقه وأعماله فَكلما امتحى من جثمانه أثر زَاد إيمَانه وَكلما نقص من قوى بدنه زَاد فِي قُوَّة إيمَانه ويقينه ورغبته فِي الله وَالدَّار الْآخِرَة وَإِن لم يكن هَكَذَا فالموت خير لَهُ لِأَنَّهُ يقف بِهِ على حد معِين من الْأَلَم وَالْفساد بِخِلَاف الْعُيُوب والنقائص مَعَ طول الْعُمر فَإِنَّهَا زِيَادَة فِي ألمه وهمّه وغمّه وحسرته وَإِنَّمَا حسن طول الْعُمر ونفع ليحصل التذكّر والاستدراك واغتنام الْغَرَض وَالتَّوْبَة النصوح كَمَا قَالَ تَعَالَى أولم نعمّركم مَا يتذكّر فِيهِ من تذكّر فَمن لم يورثه التَّعْمِير وَطول الْبَقَاء إصْلَاح معائبه وتدارك فارطه واغتنام بقيّة أنفاسه فَيعْمل على حَيَاة قلبه وَحُصُول النَّعيم الْمُقِيم وَإِلَّا فَلَا خير لَهُ فِي حَيَاته.
فَإِن العَبْد على جنَاح سفر إِمَّا إِلَى الْجنَّة، وَإِمَّا إِلَى النَّار، فَإِذا طَال عمره وَحسن عمله كَانَ طول سَفَره زِيَادَة لَهُ فِي حُصُول النَّعيم واللذة، فَإِنَّهُ كلما طَال السّفر أَيهَا كَانَت الصبابة أجلّ وَأفضل.
وَإِذا طَال عمره وساء عمله كَانَ طول سَفَره زِيَادَة فِي ألمه وعذابه ونزولا لَهُ إِلَى أَسْفَل.
فالمسافر إِمَّا صاعد وَإِمَّا نَازل.
وَفِي الحَدِيث الْمَرْفُوع
"خَيركُمْ من طَال عمره وَحسن عمله، وشرّكم من طَال عمره وقبح عمله"
فالطالب الصَّادِق فِي طلبه كَمَا خرب شَيْء من ذَاته جعله عمَارَة لِقَلْبِهِ وروحه، وَكلما نقص شَيْء من دُنْيَاهُ جعله زِيَادَة فِي آخرته.
وَكلما منع شَيْئا من لذّات دُنْيَاهُ جعله زِيَادَة فِي لذّات آخرته.
وَكلما ناله هم أَو حزن أَو غم جعله فِي أفراح آخرته
فنقصان بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته إِن زَاد فِي حُصُول ذَلِك وتوفيره عَلَيْهِ فِي معاده كَانَ رَحْمَة بِهِ وَخيرا لَهُ، وَإِلَّا كَانَ حرمانا وعقوبة على ذنُوب ظَاهِرَة أَو باطنة، أَو ترك وَاجِب ظَاهر أَو بَاطِن، فَإِن حرمَان خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مرتّب على هَذِه الْأَرْبَعَة. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...