قَالُوا: وَالرَّجَاءُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مُلَازِمٌ لَهُ. فَكُلُّ رَاجٍ خَائِفٌ مِنْ فَوَاتِ مَرْجُوِّهِ.
وَالْخَوْفُ بِلَا رَجَاءٍ يَأْسٌ وَقُنُوطٌ.
وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} [الجاثية: 14]
قَالُوا فِي تَفْسِيرِهَا: لَا يَخَافُونَ وَقَائِعَ اللَّهِ بِهِمْ، كَوَقَائِعِهِ بِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ.
(فصل: من أعظم الظُّلم وَالْجهل أَن تطلب التَّعْظِيم والتوقير من النَّاس وقلبك خَال من تَعْظِيم الله وتوقيره)
فإنك توقّر الْمَخْلُوق وتجلّه أَن يراك فِي حَال لَا توقّر الله أَن يراك عَلَيْهَا قَالَ تَعَالَى {مَا لكم لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً}
أَي لَا تعاملونه مُعَاملَة من توقّرونه والتوقير وَالْعَظَمَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَتُوَقِّرُوه}
قَالَ الْحسن مَا لكم لَا تعرفُون لله حَقًا وَلَا تشكرونه
وَقَالَ مُجَاهِد لَا تبالون عَظمَة ربكُم وَقَالَ ابْن زيد لَا ترَوْنَ لله طَاعَة
وَقَالَ ابْن عَبَّاس لَا تعرفُون حق عَظمته.
وَهَذِه الْأَقْوَال ترجع إِلَى معنى وَاحِد وَهُوَ أَنهم لَو عظّموا الله وَعرفُوا حق عَظمته وحّدوه وأطاعوه وشكروه فطاعته سُبْحَانَهُ اجْتِنَاب مَعَاصيه وَالْحيَاء مِنْهُ بِحَسب وقاره فِي الْقلب.
وَلِهَذَا قَالَ بعض السّلف ليعظم وقار الله فِي قلب أحدكُم أَن يذكرهُ عِنْد مَا يستحي من ذكره فيقرن اسْمه بِهِ، كَمَا تَقول: قبّح الله الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَالنَّتن وَنَحْو ذَلِك، فَهَذَا من وقار الله.
وَمن وقاره أَن لَا تعدل بِهِ شَيْئا من خلقه لَا فِي اللَّفْظ بِحَيْثُ تَقول وَالله وحياتك مَا لِي إِلَّا الله وَأَنت، وَمَا شَاءَ الله وشئت، وَلَا فِي الْحبّ والتعظيم والإجلال وَلَا فِي الطَّاعَة فتطيع الْمَخْلُوق فِي أمره وَنَهْيه كَمَا تطيع الله، بل أعظم كَمَا عَلَيْهِ أَكثر الظلمَة والفجرة وَلَا فِي الْخَوْف والرجاء، ويجعله أَهْون الناظرين إِلَيْهِ، وَلَا يستهين بِحقِّهِ وَيَقُول هُوَ مَبْنِيّ على الْمُسَامحَة.
وَلَا يَجعله على الفضلة ويقدّم حق الْمَخْلُوق عَلَيْهِ، وَلَا يكون الله وَرَسُوله فِي حد وناحية، وَالنَّاس فِي نَاحيَة وحد، فَيكون فِي الْحَد والشق الَّذِي فِيهِ النَّاس دون الْحَد والشق الَّذِي فِيهِ الله وَرَسُوله.