والمقصود منه التعريض بأهل الشرك إذ أضاعوا النظر والاستدلال بما يدل على وحدانية الله تعالى بما تشاهده أبصارهم من نظام الكواكب ، وذلك مُمكن لكل من يبصر ، قال تعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيّناها وما لها من فروج} [ق: 6] فكأنه قال: ما تَرون في خلق الرحمان من تفاوت ، فيجوز أن يكون {خلق الرحمان} بمعنى المفعول كما في قوله تعالى:
{هذا خَلْق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} [لقمان: 11] ، ويراد منه السماوات ، والمعنى: ما ترى في السماوات من تفاوت ، فيكون العدول عن الضمير لتتأتى الإضافة إلى اسمه {الرحمان} المشعر بأن تلك المخلوقات فيها رحمة بالناس كما سيأتي.
ويجوز أن يكون {خلق} مصدراً فيشمل خلق السماوات وخلقَ غيرها فإن صنع الله رحمة للناس لو استقاموا كما صنع لهم وأوصاهم ، فتفيد هذه الجملة مفاد التذييل في أثناء الكلام على وجه الاعتراض ولا يكون إظهاراً في مقام الإِضمار.
والتعبير بوصف {الرحمان} دون اسم الجلالة إيماء إلى أن هذا النظام مما اقتضته رحمته بالناس لتجري أمورهم على حالة تلائم نظام عيشهم ، لأنه لو كان فيما خلق الله تفاوت لكان ذلك التفاوت سبباً لاختلال النظام فيتعرض الناس بذلك لأهوال ومشاق ، قال تعالى: {وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} [الأنعام: 97] وقال: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلاّ بالحق} [يونس: 5] .
وأيضاً في ذلك الوصف تورك على المشركين إذْ أنكروا اسمه تعالى: {الرحمان} {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً} [الفرقان: 60] .
وفرع عليه قوله: {فارجع البصر} الخ.
والتفريع للتسبب ، أي انتفاء رؤية التفاوت ، جعل سبباً للأمر بالنظر ليكون نفي التفاوت معلوماً عن يقين دون تقليد للمخبِر.