{كذلك} أي كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون كذلك {ما أتى الذين من قبلهم} أي من قبل كفار مكة والأمم الخالية {من رسول} يعني يدعوهم إلى الإيمان والطاعة {إلا قالوا ساحر أو مجنون} قال الله تعالى {أتواصوا به} أي أوصى أولهم آخرهم وبعضهم بعضاً بالتكذيب وتواطؤوا عليه وفيه توبيخ لهم {بل هم قوم طاغون} أي لم يتواصلوا بهذا القول لأنهم لم يتلاقوا على زمان واحد بل جمعتهم على ذلك علة واحدة وهي الطغيان وهو الحامل لهم على ذلك القول {فتولَّ عنهم} أي أعرض عنهم {فما أنت بملوم} أي لا لوم عليك فقد أديت الرسالة وبذلت المجهود وما قصرت فيما أمرت به.
قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية حزن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واشتد على أصحابه وظنوا أن الوحي قد انقطع وأن العذاب قد حضر إذ أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يتولى عنهم فأنزل الله: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} فطابت نفوسهم بذلك والمعنى عظ بالقرآن كفار مكة فإن الذكرى تنفع من علم الله أنه يؤمن منهم وقيل: معناه عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم.
قوله: {وما خلقت الجن والإنس} أي من المؤمنين {إلا ليعبدون} قيل هذا خاص بأهل طاعته من الفريقين يدل عليه قراءة ابن عباس"وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون"وقيل: معناه وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي والأشقياء منهم إلا لمعصيتي وهو ما جبلوا عليه من الشقاوة والسعادة.
وقال علي بن أبي طالب إلا ليعبدون أي إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي.
وقيل: معناه إلا ليعرفوني وهذا حسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده.
وقيل: معناه إلا ليخضعوا لي ويتذللوا لأن معنى العبادة في اللغة التذلل والانقياد وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله متذلل للمشيئة لا يملك أحد لنفسه خروجاً عما خلق له.