قال القشيري: والآية دخلها التخصيص بالقطع ؛ لأن المجانين لم يؤمروا بالعبادة ، ولا أرادها منهم ، وقد قال: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس} [الأعراف: 179] ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة.
فالآية محمولة على المؤمنين منهم ، ويدل عليه قراءة ابن مسعود ، وأبيّ بن كعب: (وما خلقت الجنّ والإنس من المؤمنين إلاّ ليعبدون) .
وقال مجاهد: إن المعنى: إلاّ ليعرفوني.
قال الثعلبي: وهذا قول حسن ؛ لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده.
وروي عن مجاهد أنه قال: المعنى: إلاّ لآمرهم وأنهاهم ، ويدل عليه قوله: {وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إلها واحدا لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] واختار هذا الزجاج.
وقال زيد بن أسلم: هو ما جبلوا عليه من السعادة والشقاوة ، فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة ، وخلق الأشقياء للمعصية.
وقال الكلبي: المعنى: إلاّ ليوحدون ، فأما المؤمن ، فيوحده في الشدّة والرخاء ، وأما الكافر ، فيوحده في الشدّة دون النعمة ، كما في قوله: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} [لقمان: 32] وقال جماعة: إلاّ ليخضعوا لي ويتذللوا ، ومعنى العبادة في اللغة: الذل والخضوع والانقياد ، وكل مخلوق من الإنس والجنّ خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته منقاد لما قدّره عليه.
خلقهم على ما أراد ، ورزقهم كما قضى ، لا يملك أحد منهم لنفسه نفعاً ، ولا ضرًّا.
ووجه تقديم الجن على الإنس ها هنا تقدم وجودهم.
{مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ} هذه الجملة فيها بيان استغنائه سبحانه عن عباده ، وأنه لا يريد منهم منفعة ، كما تريده السادة من عبيدهم ، بل هو الغنيّ المطلق الرازق المعطي.