ثم فسر ما أجمله بقوله: {مَا أَتَى} إلخ ، أو في محل نصب نعتاً لمصدر محذوف ، أي: أنذركم إنذاراً كإنذار من تقدّمني من الرسل الذين أنذروا قومهم ، والأوّل أولى {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ} الاستفهام للتقريع والتوبيخ ، والتعجيب من حالهم ، أي: هل أوصى أوّلهم آخرهم بالتكذيب ، وتواطئوا عليه؟ {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغون} إضراب عن التواصي إلى ما جمعهم من الطغيان أي: لم يتواصوا بذلك ، بل جمعهم الطغيان ، وهو مجاوزة الحدّ في الكفر.
ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم ، فقال: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي: أعرض عنهم ، وكفّ عن جدالهم ، ودعائهم إلى الحق ، فقد فعلت ما أمرك الله به وبلغت رسالته {فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ} عند الله بعد هذا ؛ لأنك قد أدّيت ما عليك ، وهذا منسوخ بآية السيف.
ثم لما أمره بالإعراض عنهم أمره بأن لا يترك التذكير ، والموعظة بالتي هي أحسن فقال: {وَذَكّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين} قال الكلبي: المعنى: عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم.
وقال مقاتل: عظ كفار مكة فإن الذكرى تنفع من كان في علم الله أنه يؤمن.
وقيل: ذكرهم بالعقوبة وأيام الله ، وخصّ المؤمنين بالتذكير لأنهم المنتفعون به.
وجملة {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} : مستأنفة مقرّرة لما قبلها.
أن كون خلقهم ؛ لمجرّد العبادة مما ينشط رسول الله للتذكير ، وينشطهم للإجابة.
قيل: هذا خاصّ في من سبق في علم الله سبحانه أنه يعبده ، فهو عموم مراد به الخصوص.
قال الواحدي: قال المفسرون: هذا خاصّ لأهل طاعته ، يعني: من أُهِّل من الفريقين.
قال: وهذا قول الكلبي ، والضحاك ، واختيار الفراء ، وابن قتيبة.