{فَفِرُّواْ إِلَى الله} [الذاريات: 50] بترك ما سواه عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] أي ليعرفون ، وهو عندهم إشارة إلى ما صححوه كشفاً من روايته صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه أنه قال:"كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف"وفي كتاب"الأنوار السنية"للسيد نور الدين السمهودي يلفظ"كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت هذا الخلق ليعرفوني في عرفوني"وفي"المقاصد الحسنة"للسخاوي بلفظ:"كنت كنزاً لا أعرف فخلقت خلقاً فعرفتهم بي فعرفوني"إلى غير ذلك ، وهو مشكل لأن الخفاء أمر نسبي فلا بد فيه من مخفي ومخفى عنه فحيث لم يكن خلق لم يكن مخفى عنه فلا يتحقق الخفاء ، وأجيب أولاً: بأن الخفاء عن الأعيان الثابة لأن الأشياء في ثبوتها لا إدراك لها وجودياً فكان الله سبحانه مخفياً عنها غير معروف لها معرفة وجودية فأحب أن يعرف معرفة حادثة من موجود حادث فخلق الخلق لأن معرفتهم الوجودية فرع وجودهم فتعرف سبحانه إليهم بأنواع التجليات على حسب تفاوت الاستعدادات فعرفوا أنفسهم بالتجليات فعرفوا الله تعالى من ذلك فبه سبحانه عرفوه ، وثانياً: بأن المراد بالخفاء لازمه وهو عدم معرفة أحد به جل وعلا ، ويؤيده ما في لفظ السخاوي من قوله: لا أعرف بدل مخفياً ، وثالثاً: بأن مخفياً بمعنى ظاهراً من أخفاه أي أظهره على أن الهمزة للإزالة أي أزال خفاءه ، وترتيب قوله سبحانه: {فأحببت أن أعرف} الخ عليه باعتبار أن الظهور متى كان قوياً أوجب الجهالة بحال الظاهر فخلق سبحانه الخلق ليكونوا كالحجاب فيتمكن معه من المعرفة ، ألا يرى أن الشمس لشدة ظهورها لا تستطيع أكثر الأبصار الوقوف على حالها إلا بواسطة وضع بعض الحجب بينها وبينها وهو كما ترى لا يخلو عن بحث ، وأما إطلاق الكنز عليه عز وجل فقد ورد ، روى الديلمي في"مسنده"عن أنس مرفوعاً كنز المؤمن ربه أي فإن منه