لأن ذلك التفضيل الوارد في بني إسرائيل، ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - والمعلوم في حال عدمه ليس بشيء حتى يفضل على غيره، أو يفضل غيره عليه.
ولكنه تعالى بعد وجد الأمة الإِسلامية صرح بأنها خير الأمم، فثبت أن كل ما جاء في القرآن من تفضيل بني إسرائيل، إنما يراد به ذكر أحوال سابقة.
وهذا الاتجاه الثاني هو الذي نرجحه، لأن المقصود بالآية الكريمة وأمثالها تذكير بني إسرائيل المعاصرين للنبي - صلى الله عليه وسلم - بنعم الله عليهم وعلى آبائهم، حتى يكشروه عليها.
ومن مظاهر هذا الشكر - بل على رأسه - إيمانهم بما جاءهم به النبي - صلى الله عليه وسلم - . ولكن بني إسرائيل لم يقابوا تلك النعم بالشكر، بل قابلوا بالجحود والحسد للنبي - صلى الله عليه وسلم - على ما آتاه الله تعالى من فضله، فكانت نتيجة ذلك أن لعنهم الله وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت.
ولقد سبق أن قلنا عند تفسيرنا لقوله تعالى في سورة البقرة: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين} والعبرة التي نستخلصها من هذه الآية وأمثالها: أن الله تعالى فضل بني إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإِسلامية، ومنحهم الكثير من النعم ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر. . فسلب الله عنهم ما حباهم به من نعم. ووصفهم في كتابه بنقض العهد، وقسوة القلب.
وهذا مصير كل أمة بدلت نعمة الله كفرا، لأن الميزان عند الله للتقوى والفعل الصالح، وليس للجنس أو اللون أو النسب.
(هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(29)
وقال الجمل في حاشيته:
«فإن قيل» : كيف أضيف الكتاب إليهم في قوله: {كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كِتَابِهَا} .
وأضيف هنا إلى الله تعالى فقال: {هذا كِتَابُنَا} .
فالجواب أنه لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله، بمعنى أنه - سبحانه - هو الذي أمر الملائكة بكتابته.
(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(25)
{مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}