* وأيضا؛ فإنه سبحانه الملكُ الحقُّ المبين، والملكُ هو الذي يأمرُ وينهى، ويثيبُ ويعاقب، ويُهِينُ ويُكْرِم، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، فاقتضى ملكُه سبحانه أن أنزل آدمَ وذريَّته دارًا تجري عليهم فيها أحكامُ الملك، ثمَّ ينقلُهم إلى دارٍ يُتِمُّ عليهم فيها ذلك.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه أنزلهم إلى دارٍ يكونُ إيمانُهم فيها بالغيب، والإيمانُ بالغيب هو الإيمانُ النَّافع، وأمَّا الإيمانُ بالشَّهادة فكلُّ أحدٍ يؤمنُ يوم القيامة، يوم لا ينفعُ نفسًا إلا إيمانُها في الدنيا؛ فلو خُلِقوا في دار النعيم لم ينالوا درجةَ الإيمان بالغيب، واللَّذةُ والكرامةُ الحاصلة بذلك لا تحصُل بدونه، بل كان الحاصلُ لهم في دار النعيم لذَّةً وكرامةً غير هذه.
* وأيضًا؛ فإنَّ الله سبحانه خلق آدمَ من قبضةٍ قَبَضها من جميع الأرض، والأرضُ فيها الطيبُ والخبيث، والسَّهْل والحَزْن، والكريمُ واللئيم؛ فعَلِم
سبحانه أنَّ في ظهره من لا يصلحُ لمساكنته في داره، فأنزلَه إلى دارٍ استخرَجَ فيها الطيبَ والخبيثَ من صُلْبه، ثم ميَّزهم سبحانه بدارَين؛ فجعَل الطيِّبين أهلَ جِواره ومساكنته في داره، وجعَل الخبيثين أهلَ دارِ الشَّقاء دارِ الخبثاء.
قال تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأنفال: 37] .
فلمَّا عَلِمَ سبحانه أنَّ في ذريَّته من ليس بأهلٍ لمجاورته، أنزلَهم دارًا استخرَجَ منها أولئك وألحقَهم بالدار التي هم لها أهل؛ حكمةً بالغة، ومشيئةً نافذة، ذلك تقديرُ العزيز العليم.
* وأيضًا؛ فإنه سبحانه لما قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} , أجابهم بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] .