إن الله تعالى خلق الإنسان خَيِّراً سالماً من الشرور والخواطر الشريرة على صفة مَلَكية وهو معنى {لقد خلقنا الإنسان فِي أحسن تقويم} [التين: 4] ثم جعله أطواراً فأولها طور تعليمِه النطقَ ووضععِ الأسماء للمسميات لأن ذلك مبدأُ المعرفة وبه يكون التعليم أي يعلم بعض أفراده بعضاً ما علِمَه وجَهِلَهُ الآخرِ فكان إلهامُه اللغة مبدأَ حركة الفكر الإنساني وهو مبدأ صالح للخير ومعين عليه لأن به علَّم الناسُ بعضهم بعضاً ولذلك ترى الصبي يرى الشيء َ فيسرعُ إلى قرنائه يُناديهم ليَرَوْهُ معه حرصاً على إفادتهم فكان الإنسان معلِّماً بالطبع وكان ذلك معيناً على خيريته إلا أنه صالح أيضاً لاستعمال النطق فِي التمويه والكذب؛ ثم إن الله تعالى لما نهاه عن أمر كلَّفه بما فِي استطاعته أن يمتثله وأن يخالفه فتلك الاستطاعة مبدأ حركة نفسه فِي الحرص والاستئثار فكان خَلْق الله تعالى إياه على تلك الاستطاعة مبدأ طَور جديد هو المشار إليه بقوله: {ثم رَدَدْناه أَسفل سافلين} [التين: 5] ، ثم هداه بواسطة الشرائع فصار باتباعها يبلغ إلى مراتب الملائكة ويرجع إلى تقويمه الأول وذلك معنى قوله: {إلا الذين آمنُوا وعملوا الصالحات} [التين: 6] وقد أشير إلى هذا الطور الأخير بقوله فيما يأتي: {فإما يأتينكم مني هُدى فَمَنْ تَبِعَ هُداي} [البقرة: 38] الآية.
وجملة {بعضكم لبعض عدو} إما مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وإما جملة حال من ضير {اهبطوا} وهي اسمية خلت من الواو، وفي اعتبار الجملة الاسمية الخالية من الواو حالا خلاف بين أئمة العربية، منع ذلك الفراء والزمخشري وأجازه ابن مالك وجماعة.