{واغفر لأبي إنه كان من الضالين} .. ذلك على الرغم مما لقيه إبراهيم عليه السلام من أبيه من غليظ القول وبالغ التهديد. ولكنه كان قد وعده أن يستغفر له ، فوفى بوعده. وقد بين القرآن فيما بعد أنه لا يجوز الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى ؛ وقرر أن إبراهيم استغفر لأبيه بناء على موعدة وعدها إياه {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} وعرف أن القرابة ليست قرابة النسب ، إنما هي قرابة العقيدة.. وهذه إحدى مقومات التربية الإسلامية الواضحة. فالرابطة الأولى هي رابطة العقيدة في الله ، ولا تقوم صلة بين فردين من بني البشر إلا على أساسها. فإذا قطعت هذه الصلة انبتت سائر الوشائج ؛ وكانت البعدى التي لا تبقى معها صلة ولا وشيجة.
{ولا تخزني يوم يبعثون ، يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم} .. ونستشف من قولة إبراهيم عليه السلام: {ولا تخزني يوم يبعثون} مدى شعوره بهول اليوم الآخر ؛ ومدى حيائه من ربه ، وخشيته من الخزي أمامه ، وخوفه من تقصيره.
وهو النبي الكريم. كما نستشف من قوله: {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} . مدى إدراكه لحقيقة ذلك اليوم. وإدراكه كذلك لحقيقة القيم. فليست هنالك من قيمة في يوم الحساب إلا قيمة الإخلاص. إخلاص القلب كله لله ، وتجرده من كل شائبة ، ومن كل مرض ، ومن كل غرض ، وصفائه من الشهوات والانحرافات. وخلوه من التعلق بغير الله. فهذه سلامته التي تجعل له قيمة ووزناً {يوم لا ينفع مال ولا بنون} ؛ ولا ينفع شيء من هذه القيم الزائلة الباطلة ، التي يتكالب عليها المتكالبون في الأرض ؛ وهي لا تزن شيئاً في الميزان الأخير!
وهنا يرد مشهد من مشاهد القيامة يرسم ذلك اليوم الذي يتقيه إبراهيم ؛ فكأنما هو حاضر ، ينظر إليه ويراه ، وهو يتوجه لربه بذلك الدعاء الخاشع المنيب: