والأمة لا تُطلَق إلا على جماعة تنتسب إلى شيء خاص ، ويجمعهم مكان وزمان وحال . كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد أضفى الله عليه كمالات من صفات كماله لا يستطيع بشر أن يتحملها .
لذلك جاء في الحديث الشريف:"الخير فِيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة".
الخير فيَّ حصراً ، الخير على عمومه ، وفي كل جوانب شخصيته: داعيةً وأباً وزوجاً . . الخ وخصال الخير من شجاعة ، وحِلْم ، وعِلْم ، وكرم . . ألخ . وكذلك الخير في أمتي منثورٌ بين أفرادها ، يأخذ كل منهم من الخير بطرف ، وله منه نصيب ، لكن لا أحدَ يستطيع أن يجمع الكمال المحمدي أبداً ، ولا أن يتصف به .
كذلك كان سيدنا إبراهيم عليه السلام (أمة) ؛ لأن خصال الخير تُوزَّع على أفراد الأمة: هذا ذكى ، وهذا حليم ، وهذا عالم ، وهذا حكيم . . الخ أما إبراهيم عليه السلام فقد جمع من الخير ما في أمة بأكملها ، وهذا ليس كلاماً يُقَال في مدح نبي الله إبراهيم ، إنما من واقع حياته العملية .
واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى عن إبراهيم: {وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} [البقرة: 124] .
وحَسْب إبراهيم عليه السلام من الخير هذه الدعوة: {رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [البقرة: 129] .
فكان محمد صلى الله عليه وسلم دعوة أبيه إبراهيم .
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70)
فأول دعوته كانت لأبيه ، وأقرب الناس إليه لا للغريب ، والدعوة التي توجه أولاً للقريب لا بُدَّ أنها دعوة حَقٍّ ودعوة خير ؛ لأن الإنسان يحب الخير أولاً لنفسه ، ثم لأقرب الناس إليه ، ولو كانت في خيريتها شَكٌّ لقصد بها الغرباء والأباعد عنه .
والمراد بأبيه هو (آزر) الذي ورد ذكره في موضع آخر .