وروى الإمام أحمد بسند جيد، عن أبي كبشة الأنماري - رضي الله عنه - قال: مرَّت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - نسوة، فوقع في قلبه شهوة النساء، فدخل فأتى بعض
زوجاته وقال:"فَكَذَلِكَ فَافْعَلُوْا؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَمَاثِلِ أَعْمَالِكُمْ إِتْيَانُ الحَلاَلِ".
وقال شيخ الإسلام والدي عاقداً لحديث جابر - رضي الله عنه: من البسيط
عَنِ النَّبِيِّ أَتانا مَنْ رَأَى امْرَأةً ... أَحَلَّ فِيْ قَلْبِهِ لِلْحُسْنِ مَوْقِعها
فَلْيَأْتِ زَوْجَتَهُ فَلْيَقْضِ حاجَتَهُ ... فَإِنَّما مَعَها مِثْلُ الَّذِيْ مَعَها
وقلت في معنى حديث أبي كبشة - رضي الله عنه -، وحاملاً له على المعنى الأعم:
مَنْ سَرَّهُ مِنَ الْحَرامِ مِثْلُ ... ما لَهُ مِنَ الْحَلالِ وَالْمُباحِ
فَفِيْ الْحَلالِ غُنْيَةٌ عَنْهُ لَه ... وَلَيْسَ فِيْ الْمُباحِ مِنْ جُناحِ
الفائدة الرابعة: ترويح النفس وإيناسها بالنظر والمجالسة والملاعبة؛ فإن ذلك يُنشط العبد للعبادة ويحيد به عن الملل والسآم.
ولقد قال الله تعالى: {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [سورة الأعراف: 189] ، ولا خفاء أنَّ الأنبياء عليهم السلام أولى بصفاء الفكر وراحة القلب لأجل تأدية
الدعوة وتبليغ الرسالة.
وأيضاً فإن أرواح الأنبياء عليهم السلام سارحة في مطالعة العالم العلوي، طائرة إلى مشاهدة الملكوت الحقيقي، منجذبة مع تجلياتها مَأخُوذة في تملياتها وتروحاتها، ثم هم مطالبون بتبليغ ما يوحى به إليهم إلى البشر، ولا يمكنهم ذلك إلا بالتخلق بأخلاق البشر، ومن ثم لم تكن الملائكة رسلاً إلى عموم البشر؛ قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا} [سورة الأنعام: 9] .
وأما الأنبياء عليهم السلام ففيهم روحانية كاملة بها صلحوا للتلقي عن الملائكة عليهم السلام وعن الله تعالى بلا واسطة تارة أخرى، وفيهم إنسانية كاملة بها خالقوا سائر البشر وبها صلح البشر للتلقي عنهم للمجانسة والازدواج الذي بينهم، ولا نشك أن من تمام تخلق الأنبياء عليهم السلام بأخلاق البشر المناكحة التي تحصل بين الزوجين.