وروى أبو نعيم عن سفيان رحمه الله تعالى: أنه سُئِلَ عن قوله - عز وجل: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) } [سورة غافر: 19] ؛ قال: الرجل يكون في المجلس يسرق النظر في القوم إلى المرأة تمر بهم، فإن رأوه ينظر إليها اتقاهم فلم ينظر، وإن غفلوا عنه نظر، قال: وما تُخفي الصدور:
ما يجد في نفسه من الشهوة.
قلت: ومن خائنة الأعين مُسارقة النظر في القوم إلى الأمرد الجميل يكون حاضراً.
روى أبو نعيم عن أبي الحسين النوري رحمه الله تعالى قال: رأيت غلاماً جميلاً ببغداد فنظرتُ إليه، ثم أردتُ أن أُردد النظر فقلت له: تلبسون النعال الصرارة وتمشون في الطرقات؟ قال: أحسنت، أتجمش بالعلم، ثم أنشأه يقول: من الطويل
تَأَمَّلْ بِعَيْنِ الْحَقِّ إِنْ كُنْتَ ناظِرا ... إِلَىْ صِفَةٍ فِيْها بَدائِعُ فاطِرِ
وَلا تُعْطِ حَظَّ النَّفْسِ مِنْها لِما بِها ... وَكُنْ ناظِراً بِالْحَقِّ قُدْرَةَ قادِرِ
قوله: أتجمش - بفتح الهمزة والمثناة، وإسكان الجيم، وضم الميم، وبالمعجمة، أو بضم المثناة فوق، وفتح الجيم، وكسر الميم مشددة: من الجمش والجميش: وهما المغازلة والملاعبة.
ويقال: رجل جماش: متعرض للنساء كأنه يطلب الركب الجميش؛ أي: المحلوق، وهو بفتح الراء والكاف: العانة أو منبتها، أو الفرج أو ظاهره.
وأراد الغلام أن يُعَرِّف أبا الحسين بأنه أظهر له الإنكار والنصيحة وهو يريد مغازلته ومداعبته وذلك عين خائنة الأعين، وكأن الغلام صاحب كشف وإشراف على حال أبي الحسين، ولذلك اعترف أبو الحسين بحقيقة ما وقع له معه، وأراد بهذه الحكاية الإخبار عن مقام الغلام والشهادة له والإشارة إلى من حاله التزهد والانقطاع إلى الله تعالى لا ينبغي التعرض لمثل ذلك ولا الاسترسال مع هوى نفسه، فربما يكشف حاله ويفضح من حيث لا يحتسب.