وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي أي بني إسرائيل. أي سربهم ليلا. قال النسفي: سماهم عباده لإيمانهم بنبيه إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ أي يتبعكم فرعون وقومه. قال النسفي: علل الأمر بالإسراء باتباع فرعون وجنوده آثارهم، يعني إني بنيت تدبير أمركم وأمرهم، على أن تتقدموا ويتبعوكم، حتى يدخلوا مدخلكم من طريق البحر فأهلكهم، هذا ما كان من وحي الله وتدبيره، وقد ذكر تدبير فرعون ضد بني إسرائيل، ليعلم أن الله عزّ وجل هو الذي يدبر المعركة بين الكافرين والمؤمنين، ومن ثم فمهما دبر الكافرون ضد المؤمنين، فالعاقبة للمتقين؛ لأن
الله يعلم كيدهم، وهو الذي يدبر للمؤمنين، وعلى المؤمنين أن يأخذوا بالأسباب. وأما تدبير فرعون فقد انصب على ما يسمى باصطلاح عصرنا بالتوعية الشعبية
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ أي جامعين للناس بعنف، أي أرسل من يجمع الناس ليقولوا لهم:
إِنَّ هؤُلاءِ أي بني إسرائيل لَشِرْذِمَةٌ أي لطائفة قَلِيلُونَ أي إنهم لقلتهم لا يعبأ بهم
وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ أي إنهم يفعلون أفعالا تغيظنا، وتضيق صدورنا
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ أي متيقظون بشكل دائم. يعني: ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور. فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم فساده، وهكذا لخص الله لنا بأربع آيات تدبير فرعون ضد بني إسرائيل، وهو التدبير المستمر للطغاة في كل العصور ضد أهل الحق:
يحشرون الناس، ويجمعونهم بسلطة السلطان، فيعقدون الاجتماعات والندوات، ويسيرون المسيرات للتوعية - في زعمهم - ويقولون عن أهل الحق: إنهم فئة قليلة منحرفة عن إرادة الشعب، وخارجة على إرادة الجماهير، وأنهم يقومون بأعمال إجرامية ضد السلطة، وأن على جميع الشعب أن يكون حذرا وواعيا. إن مثل هذا التسجيل الخالد لفعل فرعون، والذي ينطبق على كل زمان ومكان، لهو وحده معجزة، ومن هنا نفهم سرا من أسرار القصص القرآني، وخصيصة من خصائصه إن القصة القرآنية نموذج خالد مستمر متكرر فيه عبرة وعظة ودروس لكل إنسان، وفي كل زمان.