ولما كان كأنه قيل: فكان ماذا؟ قيل: {كلما جاء أمة} ولما كان في بيان التكذيب، اضاف الرسول إليهم، ذماً لهم لأن يخصوا بالكرامة فيأبوها ولقصد التسلية أيضاً فقال: {رسولها} أي بما أمرناه به من التوحيد.
ولما كان الأكثر من كل أمة مكذباً، أسند الفعل إلى الكل فقال: {كذبوه} أي كما فعل هؤلاء بك لما أمرتهم بذلك {فأتبعنا} القرون بسبب تكذيبهم {بعضهم بعضاً} في الإهلاك، فكنا نهلك الأمة كلها في آن واحد، بعضهم بالصيحة، وبعضهم بالرجفة، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بغير ذلك، فدل أخذنا لهم على غير العادة - من إهلاكنا لهم جميعاً وإنجاء الرسل ومن صدقهم والمخالفة بينهم في نوع العذاب - أنا نحن الفاعلون بهم ذلك باختيارنا لا الدهر، وأنا ما فعلنا ذلك إلا بسبب التكذيب.
ولما كانوا قد ذهبوا لم يبق عند الناس منهم إلا أخبارهم، جعلوا إياها، فقال: {وجعلناهم أحاديث} أي أخباراً يسمر بها ويتعجب منها ليكونوا عظة للمستبصرين فيعلموا أنه لا يفلح الكافرون ولا يخيب المؤمنون، وما أحسن قول القائل:
ولا شيء يدوم فكن حديثاً ...
جميل الذكر فالدنيا حديث
ولما تسبب عن تكذيبهم هلاكهم المقتضي لبعدهم فقال: {فبعداً لقوم} أي أقوياء على ما يطلب منهم {لا يؤمنون} أي لا يتجدد منهم إيمان وإن جرت عليهم الفصول الأربعة، لأنه لا مزاج لهم معتدل. انتهى انتهى. {نظم الدرر حـ 5 صـ 201 - 202}