فما هذه اللام؟ قلت: قال الزجاجُ في تفسيرِه:"البُعْدُ لِما تُوْعَدون ، أو بُعْدٌ لِما تُوْعَدون فيمَنْ نَوَّن فَنَزَّلَه مَنْزِلَةَ المصدر". قال الشيخ:"وقولُ الزمخشري: فَمَنْ نَوَّنَه نَزَّله منزلةَ المصدرِ ، ليس بواضحٍ ، لأنهم قد نَوَّنوا أسماءَ الأفعال ولا نقول: إنها إذا نُوِّنَتْ تَنَزَّلَتْ منزلةَ المصادر". قلت: الزمخشريُّ لم يَقُل كذا ، إنما قال فيمن نَوَّن نَزَّله منزلةَ المصدرِ لأجلِ قولِه:"أو بُعْدٌ"فالتنوينُ علةٌ لتقديره إياه نكرةً لا لكونِه مُنَزَّلاً منزلةَ المصدرِ ؛ فإنَّ أسماءَ الأفعال ما نُوِّن منها نكرةٌ ، وما لم يُنَوَّنْ معرفةٌ نحو: صَهْ وصَهٍ ، تقديرُ الأول بالسكوت ، والثاني بسكوتٍ ما .
وقال ابن عطية:"طَوْراً تلي الفاعلَ دون لامٍ ، تقول: هيهات مجيءُ زيدٍ أي: بَعُدَ ، وأحياناً يكون الفاعلُ محذوفاً عند اللام كهذه الآيةِ . التقديرُ: بَعُدَ الوجودُ لِما تُوْعدون". ولم يَسْتَجْوِزْه الشيخُ ومن حيث قولُه حُذِفَ الفاعلُ ، والفاعلُ لا يُحْذَفُ . ومن حيث إن فيه حَذْفَ المصدرِ وهو الوجودُ وإبقاءَ معمولِه وهو"لِما تُوعدون". وهيهاتَ الثاني تأكيدٌ للأولِ تأكيداً لفظياً . وقد جاء غيرَ مؤكَّدٍ كقوله:
3414 هيهات مَنْزِلُنا بنَعْفِ سُوَيْقَةٍ ... كانت مباركةً على الأيام
وقال آخر:
3415 هيهاتَ ناسٌ مِنْ أُناسٍ ديارُهُمْ ... دُقاقٌ ودارُ الآخرين الأوانسُ
وقال رؤبة:
3416 هيهاتَ مِنْ مُنْخَرِقٍ هَيْهاؤه ... قال القيسي شارحُ"أبيات الإِيضاح":"وهذا مِثْلُ قولِك: بَعُدَ بُعْدُه ؛ وذلك أنه بنى من هذه اللفظةِ فَعْلالاً ، فجاء به مجيءَ القَلْقَال والزَّلْزال ."
والألفُ في"هيهات"غيرُ الألفِ في"هيهاؤه"، وهي في"هيهات"لامُ الفعلِ الثانيةُ كقاف الحَقْحَقَة الثانية ، وهي في"هيهاؤه"ألف الفَعْلال الزائدة"."