والضوء ليس كذلك إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع ، والذي يميل القلب إليه أن الضياء يطلق على النور القوي وعلى شعاع النور المنبسط فهو بالمعنى الأول أقوى وبالمعنى الثاني ولكل مقام مقال ولكل مرتبة عبارة ولا حجر على البليغ فِي اختيار أحد الأمرين فِي بعض المقامات لنكتة اعتبرها ومناسبة لاحظها ، وآية الشمس لا تدل على أن الضياء أقوى من النور أينما وقع فالله نور السماوات والأرض ولله المثل الأعلى وشاع إطلاق النور على الذوات المجردة دون الضوء ولعل ذلك لأن انسياق العرضية منه إلى الذهن أسرع من انسياقها من النور إليه فقد انتشر أنه عرض وكيفية مغايرة للون ، والقول بأنه عبارة عن ظهور اللون أو أنه أجسام صغار تنفصل من المضيء فتتصل بالمستضئ مما بين بطلانه فِي"الكتب الحكمية"وإن قال بكل بعض من الحكماء ، ثم التعبير بالنور هنا دون الضوء يحتمل أن يكون لسر غير ما انقدح فِي أذهان الناس وهو كونه أنسب بحال المنافقين الذين حرموا الانتفاع والإضاءة بما جاء من عند الله مما سماه سبحانه نوراً فِي قوله تعالى: {قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب} [المائدة: 5 1] فكأن الله عز شأنه أمسك عنهم النور وحرمهم الانتفاع به ، ولم يسمه سبحانه ضوءاً لتتأتى هذه الإشارة لو قال هنا ذهب الله بضوئهم بل كساه من حلل أسمائه وأفاض عليه من أنوار آلائه فهو المظهر الأتم والرداء المعلم.
هذا وإضافة النور إليهم لأدنى ملابسة لأنه للنار فِي الحقيقة لكن لما كانوا ينتفعون به صح إضافته إليهم ، وقرأ ابن السميفع وابن أبي عبلة فلما أضاءت ثلاثياً وتخريجها يعلم مما تقدم ، وقرأ اليماني أذهب الله نورهم وفيها تأييد لمذهب سيبويه.