موجودة عَلَى بَعْضٍ التقادير والتزام أنها من قبيل الكسب أو أن الإسناد حيث تحقق
الْأَسْباب مَجَازًا أَيْضًا غير مسلم محتاج إلَى النقل عن أئمة البلاغة بل خلاف ذلك مصرح به
في كلامهم.
قوله: (ولذلك) أي لأن يقصد المُبَالَغَة (عدي الْفعْل بالباء) الدَّالَّة عَلَى المصاحبة
والملابسة بل المخالطة (دون الهمزة لما فيها من معنى الاستصحاب والاستمساك) لعدم
دلالتها عَلَى ذلك بل يفيد التعدية حين قصدت وهذا الفرق منقول عن المبرد نظرًا إلَى أن
معنى الهمزة الإزالة ومعنى الباء المصاحبة وأصل الْمَعَاني معتبرة في الْجُمْلَة في الْمَعَاني
الثواني كالألقاب المنقولة فاشتراكهما في معنى التعدية لا ينافي ملاحظة أصل الْمَعْنَى بل
اعتباره فيما فيه لطف وبراعة من شعب البلاغة ولذا قال صاحب الكَشَّاف إن معنى أذهبه
أزاله وجعله ذاهبًا ويقال ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه وارتضاه الْمُصَنّف وأبو حيان
لما فيه من البلاغة قال الأكمل الفرق بَيْنَهُمَا من حيث إن الهمزة للإزالة والباء للمصاحبة لا
ينازع فيه إلا مكابر، وإنما النزاع في أن الباء أبلغ ودلالتها وضعية والبلاغة إنما هي بالدلالة
الْعَقْليَّة وصاحب الْمَعَاني إنما ينظر من هذه الجهة دون الأولى. نعم إذا اقتضى الحال ذكر
الذهاب المستصحب تكون الدلالة حِينَئِذٍ عَقْليَّة متعلقة بالبَلَاغَة وليس كَذَلكَ فإن معنى
(ذهب الله بنورهم) لا يجوز أن يكون استصحبه ومضى معه انتهى. وهذا
عجب منه لأنه إن أراد أنه لا يجوز عَلَى حقيقته فهو مسلم لكن لم يقل به أحد، وإن أراد أنه
لا يجوز ولو كان مَجَازًا فمردود لأن إطلاق ما يستحيل في حقه تَعَالَى عليه مَجَازًا واسْتعَارَة
كثير شائع في النظم الجليل لا ينكره إلا متعصب سقيم وقد أشار الشيخان إلَى هذه الدقيقة
الأنيقة بقولهما وما أخذه الله تَعَالَى وأمسكه فلا مرسل له بل هذا أشد بَلَاغَة مما استعمل
حَقيقَة عَلَى ما يشهد به الفطرة السليمة ونقل عن سيبَوَيْه أنهما بمعنى وتبعه أكثر النحاة
واستدل بهذه الآية. لأنه تَعَالَى لا يتصف بالذهاب فمعناه أذهبه لا غير انتهى. وظاهره في
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: لذلك عدي أي ولأجل المُبَالَغَة في الإذهاب عُدي بالباء دون الهمزة مع إمكان تعديته
بالهمزة لما بالباء من معنى الاستصحاب والاستمساك. قال الطيبي: ذهب إلَى هذا الفرق أبو العباس
المبرد وذكره الْجَوْهَريّ في درة الغواص قال صاحب المثل السائر كل من ذهب بشيء فقد أذهبه
وليس كل من أذهب شَيْئًا ذهب به لأن ذهب به يفهم منه أنه استصحبه معه وأمسكه عن الرجوع
إلى الأولى وليس كَذَلكَ وقال صاحب الفلك الدائر وفيه نظر لأن كلا اللَّفْظَيْن يدلان عَلَى معنى
أوجد لأن الأفعال اللازمة تتعدى تارة بحرف الجر وأخرى بالهمزة كما تقول أخرجت زيدًا من
البلد وخرجت به وليس معنى الثاني أنك أخرجت زيدًا واستصحبته معك وكذا عن صاحب الضوء
أنه قَالَ ويكون للتعدية نحو ذهبت به؛ إذ الْمَعْنَى أذهبته وهي في سائر المواضع تفيد مع معنى
التعدية معنى آخر وهَاهُنَا لم تفد شَيْئًا سواها والْجَوَاب بأنهما وإن اشتركا في معنى التعدية لكن لم
قلت إنهما مشتركان في تأدية معنى واحد وهل النزاع إلا في هذا فإن الهمزة هَاهُنَا للإزالة والباء
للمصاحبة وصاحب الْمَعَاني لا ينظر إلا إلَى الفرق بَيْنَهُمَا واسْتعْمَال كل منهما في مقامه لا إلَى
التعدية نفسها فإن البحث عنها وظيفة النحوي.