وقول الأمير لا يفارق ذاته ، ولكن السامع يسمع فينزل ويؤدي بلفظ نفسه . قال: فإن قيل: كيف سمع جبريل كلام الله وكلامه ليس حرفاً ولا صوتاً عندكم؟ قلنا: يحتمل أن يخلق الله له سمعاً لكلامه ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم . ويجوز أن يكون خلق الله فِي اللوح المحفوظ كتابه بهذا النظم المخصوص فقرأه جبرائيل فحفظه ، ويجوز أن يخلق أصواتاً مقطعة بهذا النظم المخصوص فِي جسم مخصوص فيتلقفه جبرائيل ويخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام . وأقول: إنك إذا تأملت ما أشرت إليه فِي المقدمة العاشرة من مقدمات الكتاب انكشف لك الغطاء عن هذه المسالة .
الثالثة: الإيمان بجميع الكتب السماوية أعني التصديق بها واجب ، لأن الفلاح منوط بذلك . فيجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم التفصيل ليقوم بواجبه علماً وعملاً ، لكنه فرض كفاية لقوله تعالى {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فِي الدين} [التوبة: 122] الآية . وأما المنزل على الأنبياء المتقدمين فالإيمان به واجب على الجملة لن الله تعالى ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفتها مفصلة ، لكنها إن عرفنا شيئاً من تفاصيلها فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل .