وقد ألم الزمخشري بهذا الوجه ، وهذا أولى مما ذكروه لأنه لا يحفظ من كلام العرب: جلست ما مجلساً حسناً ، ولاقت ما يوم الجمعة ، والحمل على المعنى محفوظ ، كما ذكرناه ، ولو سمع زيادة فِي ما نحو هذا ، لم يكن ذلك من مواضع اطراد زيادة ما ، والأولى فِي الآية بعد ذلك أن يكون أضاءت متعدية ، فلا تحتاج إلى تقدير زيادة ، ولا حمل على المعنى.
وقرأ ابن السميفع ، وابن أبي عبلة: فلما ضاءت ثلاثياً فيتخرج على زيادة ما وعلى أن تكون هي الفاعلة ، إما موصولة وإما موصوفة ، كما تقدم ، ولما جوابها: {ذهب الله بنورهم} ، وجمع الضمير فِي: بنورهم حملاً على معنى الذي ، إذ قررنا أن المعنى كالجمع الذي استوقد ، أو على ذلك المحذوف الذي قدره بعضهم ، وهو كمثل أصحاب الذي استوقد ، وأجازوا أن يكون جواب لما محذوفاً لفهم المعنى ، كما حذفوه فِي قوله: {فلما ذهبوا به وأجمعوا} الآية.
قال الزمخشري: وإنما جاز حذفه لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس الدال عليه ، انتهى.
وقوله: لاستطالة الكلام غير مسلم لأنه لم يستطل الكلام ، لأنه قدره خمدت ، وأي استطالة فِي قوله: {فلما أضاءت ما حوله} ، خمدت ؟ بل هذا لما وجوابها ، فلا استطالة بخلاف قوله: {فلما ذهبوا به} ، فإن الكلام قد طال بذكر المعاطيف التي عطفت على الفعل وذكر متعلقاتها بعد الفعل الذي يلي لما ، فلذلك كان الحذف سائغاً لاستطالة الكلام.
وقوله: مع أمن الإلباس ، وهذا أيضاً غير مسلم ، وأي أمن إلباس فِي هذا ولا شيء يدل على المحذوف ؟ بل الذي يقتضيه ترتيب الكلام وصحته ووضعه مواضعه أن يكون {ذهب الله بنورهم} هو الجواب ، فإذا جعلت غيره الجواب مع قوة ترتب ذهاب الله بنورهم على الإضاءة ، كان ذلك من باب اللغز ، إذ تركت شيئاً يبادر إلى الفهم وأضمرت شيئاً يحتاج فِي تقديره إلى وحي يسفر عنه ، إذ لا يدل على حذفه اللفظ مع وجود تركيب {ذهب الله بنورهم} .