يريد ما عالجت به ، فحذف حرف الجر والضمير ، وإن لم يكن فيه شروط الحذف المقيس ، وهي مذكورة فِي مبسوطات كتب النحو ، وضابطها أن يكون الضمير مجروراً بحرف جر ليس فِي موضع رفع ، وأن يكون الموصول ، أو الموصوف به الموصول ، أو المضاف للموصول قد جر بحرف مثل ذلك الحرف لفظاً ومعنىً ، وأن يكون الفعل الذي تعلق به الحرف الذي جر الضمير ، مثل ذلك الفعل الذي تعلق به الحرف السابق.
والوجه الثاني: أن تكون الجملة الأولى الواقعة صلة لا عائد فيها ، لكن عطف عليها جملة بالفاء ، وهي جملة لما وجوابها ، وفي ذلك عائد على الذي ، فحصل الربط بذلك العائد المتأخر ، فيكون شبيهاً بما أجازوه من الربط فِي باب الابتداء من قولهم: زيد جاءت هند فضربتها ، ويكون العائد على الذين الضمير الذي فِي جواب لما ، وهو قوله تعالى: {ذهب الله بنورهم} ، ولم يذكر أحد ممن وقفنا على كلامه تخريج قراءة ابن السميمع.
واستوقد: استفعل ، وهي بمعنى افعل.
حكى أبو زيد: أوقد واستوقد بمعنى ، ومثله أجاب واستجاب ، وأخلف لأهله واستخلف أي خلف الماء ، أو للطلب ، جوز المفسرون فيها هذين الوجهين من غير ترجيح ، وكونها بمعنى أوقد ، قول الأخفش ، وهو أرجح لأن جعلها للطلب يقتضي حذف جملة حتى يصح المعنى ، وجعلها بمعنى أوقد لا يقتضيه.
ألا ترى أنه يكون المعنى فِي الطلب استدعوا ناراً فأوقدوها ، {فلما أضاءت ما حوله} ، لأن الإضاءة لا تتسبب عن الطلب ، إنما تتسبب عن الاتقاد ، فلذلك كان حملها على غير الطلب أرجح ، والتشبيه وقع بين قصة وقصة ، فلا يحتاج فِي نحو هذا التشبيه إلى مقابلة جماعة بجماعة.
ألا ترى إلى قوله تعالى: {مثل الذين حملوا التوارة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً} وعلى أنه فِي قوله: {كمثل الذي استوقد ناراً} ، هو من قبيل المقابلة أيضاً ؟ ألا ترى أن المعنى هو كمثل الجمع ؟ أو الفوج الذي استوقد ، فهو من المفرد اللفظ المجموع المعنى.