تارة يؤخذ من مس الشعر ، ويعبر به عن اللمس ، وعنه استعمل المشاعر
للحواس ، فإذا قيل: فلان لا يشعر فذلك أبلغ فِي الذم من قولهم: إنه لا يسمع ولا
يبصر ، لأن حس اللمس أعم من حس السمع والبصر.
وتارة يقال: شعرت كذا ، أي أدركت شيئا ، وقالوا: فلان يشق الشعر فِي كذا إذا
دقق النظر فيه ، ومنه أخذ الشاعر ، لإدراكه دقائق المعاني.
فظهر أن شعرتُ يستعمل بمعنى أحسست ، وبمعنى أدركت ، وفطنت .
فقوله (وما يشعرون) فِي الآية الأولى نفي الإحساس عنهم ، وفي هذه الآية نفي
الفطنة ، لأن معرفة الصلاح والفساد يدرك بالفطنة.
وفي الآية التي بعدهما نفي العلم ، وفي نفيهما على هذه الوجوه تنبيه
لطيف ، ومعنى دقيق ، وذلك أنه بين فِي الأول أن فِي استعمالهم الخديعة نهاية
الجهل الدال على عدم الحس ، وفي الثاني أنهم لا يفطنون تنبيها على أن ذلك أيضا
لازم لهم ، لأن من لا حس له لا فطنة له ، وفي الثالث أنهم لا يعلمون تنبيها على أن
ذلك أيضاً لازم لهم ، لأن من لا فطنة له لا علم له.
قوله: (فليس بتكرير)
قال الشريف: يريد أنه إذا نظر إلى جزاء الشرطية الأولى - أعني (قالوا آمنا) -
توهم أن هناك تكرارا ، مع قوله أول قصة المنافقين (ومن الناس من يقول آمنا)
وإذا لوحظ أنه مقيد بلقائهم المؤمنين ، وأن الشرطية الثانية معطوفة على
الأولى ، لا على أن كلا منهما شرطية مستقلة كالشرطيتين السابقتين ، بل على أنهما
بمنزلة كلام واحد ، ظهر أن هذه الآية سيقت لبيان معاملتهم مع المؤمنين وأهل
دينهم ، كما أن صدر القصة مسوق لبيان نفاقهم ، فاضمحل ذلك التوهم.
قوله: (روي أن ابن أبَيِّ وأصحابه استقبلهم نفر من الصحابة) الحديث
أخرجه الثعلبي ، والواحدي من طريق السدي الصغير ، عن الكلبي ،
عن أبي صالح ، عن ابن عباس.
قال الحافظ ابن حجر فِي كتابه"أسباب النزول": أبو صالح ضعيف ، والكلبي
متهم بالكذب ، والسدي الصغير كذاب .