وحرر أبو إسحاق هذا الفصل فقال: إنما دخلت ألف الاستفهام وأم التي هي للاستفهام، والكلام خبر، لمعنى التسوية، والتسوية آلتها الاستفهام وأم. تقول من ذلك: أزيد في الدار أم عمرو؟ فإنما دخلت الألف وأم، لأن علمك قد استوى في زيد وعمرو، وقد علمت أن أحدهما في الدار لا محالة، ولكنك استدعيت أن يبين لك الذي علمت ويلخص لك علمه من غيره، ولهذا تقول. قد علمت أزيد في الدار أم عمرو، وإنما تريد أن تسوي عند من تخبره العام الذي قد خلص
عندك.
ولا يجوز هاهنا (أو) مكان (أم) لأن (أم) للتسوية بين الشيئين، و (أو) إنما هي لأحد شيئين، يدلك على هذا أن (أم) تكون مع الألف بتأويل (أي) فإذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فكأنك قلت: أيهما عندك، [وإذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ لم يكن على معنى: أيهما عندك] ، هذا اختلاف الجواب، لأنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فجوابه: زيد أو عمرو، وكذلك في (أي) جوابه أن يذكر أحد الاسمين بعينه، فأما إذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ فجوابه: نعم أو لا، فهذا فرق بينهما واضح.
ومثل هذه الآية قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [المنافقون: 6] ، وقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} [إبراهيم: 21]
و {سَوَاءٌ} في الآية رفع بالابتداء، ويقوم {أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} مقام الخبر في المعنى، كأنه بمنزلة قولك: (سواء عليهم الإنذار وتركه) لا
في الإعراب، لأنك إذا قدرت هذا التقدير في الإعراب صار {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} خبراً مقدَّمًا.
والجملة في موضع رفع، بأنها خبر {إن} .
ويجوز أن يكون خبر {إن} قوله: {لَا يؤْمِنُونَ} كأنه قيل: (إن الذين كفروا لا يؤمنون سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) . فيكون قوله: {سَوَآءٌ عَلَيهمءَأَنذَرتَهُم} جملة معترضة بين الاسم والخبر، وجاز ذلك، لأنه تأكيد لامتناعهم عن الإيمان، ولو كان كلاماً أجنبياً لم يجز اعتراضه بينهما، وسترى لهذا نظائر.
ومعنى: {سَوَآءٌ عَلَيْهِم} أي: معتدل متساو، و {سَوَآءٌ} اسم مشتق من التساوي. يقول: هما عندي سواء، ومنه قوله {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: 58] ، يعني: أعلمهم حتى يستوي علمك وعلمهم. و {سَوَآءٌ اَلْجَحِيمِ} [الصافات:55] وسطه، لاستواء مقادير نواحيه إليه.
وقول القائل: (سواك وسواءك) أي: من هو في مكانك بدلا منك لاستوائه في مكانك.