وحجة من خفف الثانية: أن القرب قد رفضت جمعهما في مواضع من كلامهم، من ذلك أنهما لما اجتمعتا في (آدم) و (آدر) و (آخر) ألزموا جميعا الثانية البدل ولم يحققوها.
ولما كسروا وحقروا جعلوا هذه المبدلة بمنزلة مالا أصل له في الهمزة فقالوا: أواخر وأويخر، فأبدلوا منها (الواو) ، كما أبدلوها مما هو ألفط لا يناسب الهمزة، نحو: ضوارب وضويرب، وفي هذا دلالة بينة على رفضهم اجتماعهما.
ألا تراهم لم يرجعوها في التحقير والتكسير، كما رجعوا (الواو) في: ميقات وميعاد، و (الياء) في: موسر، في قولهم: مواقيت ومياسير، وفي ذلك دلالة بينة على رفضهم لجمعها.
ومن ذلك أيضا أنا لم نجد كلمة عينها همزة ولامها كذلك، كما
وجدنا في سائر أخوات الهمزة من الحلقية كقولهم: مهاه، فهّ، و {يَدُعُّ الْيَتِيمَ} [الماعون: 2] ، و (مح) و (ألح) و (مخ) . فإذا لم يجمعوا بين الهمزتين في المواضع التي جمع فيها بين أخواتها، دل ذلك على رفضهم لجمعها.
ومن ذلك أنهم ألزموا باب (رزيئة) و (خطيئة) القلب في الجمع، لما يؤدي اجتماع الهمزتين، فقالوا: (خطايا) و (رزايا) ، فلو
كان لاجتماعهما عندهم مساغ ما رفضوا ذلك الأصل، كما أنه لو كان لتحرك العينات في نحو: (قال) و (باع) مجاز، ما ألزموها القلب. فإن قيل: فقد حكى عن بعضهم: (خطائئ) بتحقيق الهمزتين؟
قيل: هذا يجري مجرى الأصول المرفوضة نحو: ضننوا والأظلل
ولا يعتد بذلك.
ومن ذلك أيضا أنهم إذا بنوا اسم فاعل من (ناء) و (شاء) [و (جاء) قالوا: (شاءٍ) ] و (ناءٍ) ، فرفضوا الجمع بينهما ورفضوه في هذا الطرف كما رفضوه أولا في: (آدم) و (آخر) .
ومن ذلك أيضًا أن من قال: هذا فرجّ، وهو يجعلّ، فضاعف في الوقف حرصاً على البيان، في يضاعف نحو: (البناء) ، و (الرشاء) ، لكنه رفض هذا الضرب من الوقف، وما كان يحرص عليه من البيان لما كان يلزمه الأخذ بما تركوه، والاستعمال لما رفضوه من اجتماع الهمزتين.
وإذا كان الأمر على هذا، فالجمع في: {أَأَنْذَرْتَهُمْ} أقبح من الجمع في كلمتين منفصلتين، نحو: قرأ أبوك، ورشاء أخيك، لأن الهمزة
الأولى من {أَأَنْذَرْتَهُمْ} تنزل منزلة ما هو من الكلمة نفسها، لكونها على حرف مفرد، ألا ترى أنهم قالوا: لهو ولهي، فخففوا كما خففوا: عضدا، فكذلك الهمزة الأولى، لما لم تنفصل من الكلمة صارت بمنزلة التي في آخر.