والشحان جميعاً من أركان الإيمان، ألا ترى أن الله - عز وجل - كما مدح شعيباً - صلى الله عليه وسلّم - وأثنى عليه بأنه شح على دينه، فلم يفارق مع استكراه قومه إياه على مفارقته وكذلك قد مدح يوسف صلوات الله عليه بأن استعصم حين مراودته امرأة العزيز عن نفسه، وقال {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} فبان أن الشح على شعب الإيمان لئلا ينقص كالشح على أصله كيلا يذهب وبالله التوفيق، وهذا سبيل كل متنفس مسنون به لأن الشحيح بماله، كما لو شح بجماعته يشح بإبعاضه.
والشحيح بنفسه يشح بأطرافه، كما يشح بجميع ماله لذا يبغضه كذا الدين وبالله التوفيق.
وقد قيل في قول الله - عز وجل - أخبر أن أهل الجنة يقولونه: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} إنهم كانوا مشفقين أن يسلبوا الإسلام فجزاهم الله تعالى بإشفاقهم على دينهم فأداهم في الآخرة إلى رضوانه وطول دار المقامة من حسناته.
وروي أن حذيفة المرعشي رحمه الله سئل عمن كانت المعاصي قبره عينه، هل يعرف الله عز وجل؟ فقال: أرأيت من كانت نعله أحب إليه دينه أي دين دينه.
رأيت رجلاً صنع نعله.
ومعنى هذا أن المغرمين بالباطل لا يتفكرون في أن ما يتعاظمونه يثلم إيمانهم ويقلب سماهم ويعر حكمهم، ويحبط في مواقف أهل الدين قدرهم.
ثم لا يرى أحداً منهم يصنع نعله لأنه إن كان في داره لم يتركها حيث تصل الأيدي إليها، بل يخزنها ويحفظها إذا خلفها عند دخول مسجد أو غيره، لم يهملها ولم ينتظرها ويجوزها إما بنفسه وإما بغيره، لئلا توجد.
فهذا يدل على أن فعله أعز عليه من دينه إذا كان يقصد الدين فيثلمه الثلمة بعد الثلمة، ثم يواقعه نفساً بإضاعة النعل، فمن كان هذا دينه، فأي دين دينه؟ إما أن يكون منافق القلب أو يكون إيمانه في نهاية الضعف.
وما قال حذيفة رحمه الله من هذا، فكما قال: فمن أهمه من أمر دينه ما ذكرنا، وكره أن يكون المنزلة التي وصفنا، فليدع المعاصي كما يدع الكفر نفسه، حتى إذا أسلم له أصل دينه بأجزائه فلقي الله - عز وجل - وهو كامل، وفضل الجميع له حاصل وبالله التوفيق.