إذًا فالإنسان من باب أولى أن يتأثر بمن يخالطه، فإذا تأملت رجلًا طيبًا يصاحب طيبين مثله، فإنما هو من أجل هذه الطيبة، ومن أجل هذا الصلاح، ومن أجل هذا الدين، ومن أجل تلك الاستقامة التي يتمتعون بها، فجمعتهم في نظام واحد، وإذا تأملت بعضًا من الفاسقين، وجدتهم يجتمعون بأمورٍ جمعت بينهم إما في مجالسهم، أو في لهوهم، أو في لغطهم، أو في فسقهم والعياذ بالله، فجمعتهم هذه المجالس على ما عندهم من السوء والخبث وغير ذلك.
ثم تأكدوا -أيها الإخوة- أن الإنسان كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنودٌ مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) فأنت تعرف الإنسان بصلاحه، ودينه واستقامته، فينبلج صدرك له، وينشرح خاطرك في مجالسته، إن ذلك ائتلافٌ ألفه الله جل وعلا بين هذه الأرواح؛ لأنها تجتمع على أمرٍ بطاعة الله سبحانه وتعالى: (وما تناكر منها اختلف) .
أنا حينما أجد واحدًا من هذه الوجوه الطيبة، ولو كنت لا أعرفه من ذي قبل، وأقابله هنا، أو هناك، أو في سوق، أو في أي مكان أسلم عليه، وأصافحه، وتنبلج أسارير وجهي من أجله ارتياحًا وائتلافًا وسرورًا وانشراحًا؛ لأن هذه أرواحٌ متعارفة، ما الذي عرف بينها، وجمعها على معرفة واحدة؟ إنه الله سبحانه وتعالى، فهذه الأرواح تعارفت في الله، وتحابت في الله، واجتمعت لأجل الله سبحانه وتعالى، فكان حقها على الله أن يجمعها، وأن يؤلف بينها، وأن يجعل مجالسها مكتوبةً في صحف أصحابها، وتكون بإذن الله جل وعلا سببًا في تثقيل موازينها يوم القيامة، فانتبهوا لذلك أيها الإخوة، واحذروا من التهاون بالجلساء، فإن الإنسان يتأثر وهو لا يشعر، ثم إن الإنسان قد يقول: أنا أثق بنفسي، أنا أصلي، أنا أطيع والدي، لكني أخالط أناسًا لا يصلون، ولا يطيعون والديهم، أو غير ذلك، لكني أنا واثق من نفسي لو أطبقت السماء على الأرض، ما أترك الصلاة، ولا أعصي والدي، ثقةً بنفسه يخالط الأشرار، وهو كما يقول القائل:
ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
رجل ربطناه، ثم رميناه في البحر، وقلنا له: انتبه لا تبتل ثيابك من الماء، فذلك كمن يجعل نفسه في وسط جلساء السوء، وفي مخالطة الأشرار والسيئين، ثم يقول: أنا لا أتأثر، سبحان الله! من ذا الذي لا يتأثر؟ إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم المعصوم وحده مع جملة الأنبياء.
وبلوت أخبار الرجال فلم أجد رجلًا يؤثر دون أن يتأثرا
إلا النبي محمدًا فجعلته أملًا وسرت على هداه مكبرا
هو الرسول صلى الله عليه وسلم كما يقول ابن عباس: [من كان مقتديًا، فعليه بصاحب هذا القبر -يعني: رسول الله- فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة من بعده] كل إنسان يتأثر، كل إنسان يفتتن، فما بالك أنت أيها الطيب، أيها الشاب الصالح، أيها الثمرة، أيها الغرسة التي لا زالت تتأثر بجميع المؤثرات والعوامل، ترمي بنفسك في جلساء السوء وتقول: أنا لا أتأثر، سبحان الله! هل أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ما من إنسان إلا وحوله من يؤثر عليه؛ زوجته إخوانه أصدقاؤه أقاربه جلساؤه، كلٌ لابد أن يتأثر بمن يجالسه.
إذًا فلابد أن نجالس الطيبين، لابد أن نجالس الأخيار، لا بد أن نجالس الصالحين حتى نتأثر بفعالهم وطباعهم، ومن أجل ذلك كان العرب قديمًا إذا نشأ الصبي فيهم يافعًا، ذهبوا به إلى البادية لكي يكتسب اللغة، ويكتسب طباع الشهامة والمروءة والشجاعة والفروسية والصدق في كل شيء؛ لأنهم يعرفون أنها لازالت تلك الأخلاق قديمًا، أما الآن، فقد استوت الحاضرة مع البادية، آنذاك كانوا يرسلون الإنسان ليأخذ من هذه الطباع، فيتأثر الإنسان حينما يعود إليهم، ويجد الوالد ولده شابًا جلدًا شهمًا قويًا كريمًا فروسيًا شجاعًا بسبب مخالطاته آنذاك، أما الذي يقول: أنا أخالط ولا أتأثر، فهذا مسكين يضر نفسه وهو لا يشعر.