أيها الأحبة: في الجنة ملذات لا يكدرها تخمةٌ ولا أمراضٌ ولا أسقام، أمنٌ وسلام: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} [الدخان:51] ولا يمكن أن يطيب المقام والسكن والقصر والدار إلا إذا كان العبد فيه آمنًا على جميع ما يحذر أو يخاف عليه.
إن أهل الجنة لا يتحولون عنها، نحن في هذه الدنيا بطبيعتنا نِملُّ من مرتبةٍ نبلغها، فالذي جمع طموحه طوال سنين عمره حتى بلغ بدراسته نجاحًا وشهادةٍ جامعية يطمح إلى ما بعد ذلك، فإذا نال شهادةً أعظم يطمح إلى ما بعد ذلك، فإذا عين بالعاشرة يطمح إلى الثانية عشر ثم إلى الرابعة عشر، ثم ليكون وكيل وزارة، ثم ليكون وزيرًا، ثم ليكون ثم ليكون لا تقف النفس عن طموحاتٍ وعن مللٍ من الحال التي قد أمسكت بها، وطموحٍ إلى حالٍ بعدها.
أما في الجنة فإن الواحد يطمئن ولا يريد أن يتحول عنها، هل تذكرت حياة عزوبيتك وشوقك إلى الزواج، وتصوراتك الجميلة الحالمة عن عش الزوجية الهانئ؟ ثم حين تزوجت واستقر بك الحال أصبح الزواج عاديًا، ولربما أصبحت من الذين ينصرفون أو لا يميلون إلى الجلوس مع زوجاتهم، هل ظننت أو حلمت بثروةٍ طائلة ودخلٍ كبير فإذا تحقق ذلك أتظن أنك تقول: حسبي! حسبي، قط قط! اكتفيت اكتفيت؟! بل تريد مزيدًا من ذلك، وفي النفس هلعٌ وجشع وطمع، أما في الجنة فلا تريد عن نعيمها تحولًا أبدًا:
تحلت سويد القلب ما أنا باغيًا سواها ولا عن حبها أتحول