فهرس الكتاب

الصفحة 581 من 3155

أيها الأحبة! أود أن أسألكم سؤالًا، هذه المصيبة التي ما تركت بهيمة ولا طفلًا ولا صغيرًا ولا رضيعًا ولا كبيرًا ولا فقيرًا، ولا تاجرًا ولا غنيًا ولا ملكًا ولا وزيرًا، ولا ذكرًا ولا أنثى ولا مسافرًا أو حالًَّا أو مرتحلًا، إلا أشغلته ونالت من همه وذهنه نصيبًا، هذه المصيبة التي أشغلت الأمة، بل أشغلت العالم بأكمله، أتظنونها جاءت فلتة؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا؛ لأننا نعلم أن الأمور بقضاء وقدر {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49] {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد:22] .

ونعلم أن القضا واقع وأن الأمور بأسبابها

والبلايا بقضاء وقدر والدنا عبر أي عبر

اقرأ التاريخ إذ فيه العبر ضل قوم ليس يدرون الخبر

أود أن أقول أيها الأحبة: إن هذه المصيبة إنما هي بقضاء وقدر، وهذا من تمام الإيمان، ومن شك في أن هذه المصيبة بقضاء وقدر، ففي إيمانه شك بقدر شكه في هذه القضية.

الأمر الآخر: مادامت هذه بقضاء وقدر، فأسألكم سؤالًا: هل يقدر الله عبثًا؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، إذًا: فهذه المحنة والأزمة والرزية والمصيبة، ما قدرها الله عبثًا، وإنما قدرها لحكمة بالغة يراها الله جل وعلا، حتى نطمئن ونهدأ {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام:137] الأمور بيد الله جل وعلا، ونحن عبيده، بنو عبيده، بنو إمائه، نواصينا بيده، ماضٍ فينا حكمه، عدل فينا قضاؤه وقدره.

ما الذي يزعجنا؟ ما الذي يجعل كثيرًا من الناس لا يعرفون بالليل نومًا، ولا بالنهار هدوءًا وطمأنينة؟ أيحدث أمر قدره غير ربكم؟ كلا والله.

فعلام الفزع الذي جاوز حده! والأولى أن يفزع الناس، وأن يشتغل الناس فيما يستعدون به لأمر الآخرة، لأمر الرحلة، لأمر النقلة إلى دار فيها أعظم من هذه الأهوال.

إذًا: فهذه الأزمة بقضاء وقدر، وهذا القدر كما يقول ابن تيمية رحمه الله في معنى كلامه: إنه ما من قدرٍ لله جل وعلا إلا وهو مشتمل على تمام الحكمة؛ لأن الله لا يقدر عبثًا، ومشتمل على تمام العدل؛ لأن الله لا يقدر ظلمًا، {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس:44] {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:40] وفي الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا) .

إذًا: فهذا القدر، قدر هذه الأزمة تمام العدل؛ لأن الله لا يقدر ظلمًا، وأيضًا تمام الرحمة؛ لأن رحمة الله سبقت غضبه، ولأن رحمة الله وسعت كل شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت