أيها الأحبة! إني أقول لإخواني الشباب الذين فيهم الخير والصلاح والاستقامة والغيرة على الإسلام والمسلمين، أقول لهم: لماذا وقف الالتزام إلى حد الأمور الشخصية فقط؟ لماذا لا يكون الواحد إيجابيًا وداعيًا ومتحركًا؟ إن الجن وهم الجن لما سمعوا الوحي تحركوا ودعوا أقوامهم، والله عز وجل يقول: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف:29] فهم حضروا، وأنصتوا ليتدبروا ويفهموا مقاصد الخطاب، وما فيه من الأمر والنهي والحكم، ثم ماذا بعد ذلك؟ {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف:29 - 31] فأفادوا أنهم سمعوا وحيًا وخيرًا وهدى، ثم دعوا قومهم إلى الاستجابة: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف:31] .
ثم ماذا بعد ذلك؟ قالوا لقومهم: {وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ} [الأحقاف:32] هؤلاء وهم جن لما سمعوا الوحي أنصتوا وتدبروا وولوا إلى قومهم منذرين.
لا يكن الهدهد خيرًا منك، فقد نصح وتكلم ودعا وسعى، وكانت نصيحة هذا الطائر سببًا في إسلام مملكة كاملة كانوا يسجدون للشمس من دون الله، سليمان عليه السلام لما تفقد الهدهد، وتفقد الطير، فقال: ما لي لا أرى الهدهد؟ فلما بحث عن هذا الهدد أين كان؟ أين ذهب؟ فجاء إلى سليمان عليه السلام الملك النبي، وقال: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل:22 - 24] هذا هدهد يدعو وينكر منكرًا، وأكبر المنكرات هو الشرك بالله عز وجل: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ} [النمل:24] إلى أن قال: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النمل:25] ويستدل بأفعال الرب على استحقاق الخالق للعبادة عز وجل.