أيها الأحبة: ما الذي أشغلنا بهذه عما خلقنا لأجله؟ إن بعضهم يسوف ويزعم أنه سيعود ويتوب بعد حين، ونقول: يا أخا الإسلام! إنك لا تدري متى يفاجئك الموت:
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
فكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حينًا من الدهر
فلا تشتغل بالفساد والحرام والمنكرات ظنًا أنك ستعيش:
فكم من عروس زينوها لزوجها وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر
لا تكثر التسويف بهذا، وكم عرفتم وعرفنا، ورأيتم ورأينا أقوامًا تعودوا التسويف أشهرًا وأعوامًا وسنوات فردوا إلى بلادهم جنائز محمولة في التوابيت، فكن معتبرًا وإياك أن تكون عبرة.
وبعض الشباب أشغله بملذاته وملاهيه ضعف يقينه، كأن الجنة عالم غريب لا يطمع في الدخول والوصول إليه، وكأن النار عالم تخيلي لا يمكن أن يقع فيه أو يزل فيه في يوم من الأيام إن لم يتداركه الله برحمته، الأمر الذي جعل الصحابة يبكون، والسلف يسقطون وخشية، هو سوء الخاتمة، يخافون النار ويرجون الجنة، إنهم يرونها حق اليقين.
كنت في صالة الامتحان، أوزع أوراق الأسئلة فإذا بشاب يلتفت يمنة ويسرة فقلت: من التفت إلى زميلة أثناء توزيع الأسئلة أسحب ورقته، فلما وزعت الأسئلة إذا به يلتفت، فجئت وسحبت ورقته وحرمناه نصف ساعة، فإذ بالدموع تنحدر على خده، لماذا؟ لأن عنده يقينًا أن هذا الموقف الذي وقفه الآن له عاقبة يتيقنها وهي رسوبه في الامتحان، فمن وقع ووقف موقفًا يدرك بكل يقين عاقبته أنها إلى جنة أو نار فإنه يبكي إن فاتته إن كانت إلى الجنة، ويبكي إن وقع فيها إن كان مؤداها إلى معصية الله وسخطه وعذابه.
أصبح الكلام عن الجنة حديثًا للعجائز، وحديثًا لكبار السن، ولطائفة من الناس، أما الشباب فلهم حديث آخر، لا يا أخي الكريم، إن شغلنا وأمنيتنا هي الجنة والنجاة من النار بعد رضا الله، جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسئل: كيف تصلي أو كيف تدعو؟ قال: (أنا لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ يا رسول الله، ولكني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، قال صلى الله عليه وسلم: أنا ومعاذ حولها ندندن) بل أفضل خلق الله وهم أنبياء الله ورسله يقول الله عنهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:90] (رغبًا) في الجنة (ورهبًا) خوفًا من النار.
اليقين بالآخرة، اليقين بأنك ستموت، اليقين إذا رأيت جنازة أنك يومًا ما ستكون مثلها، اليقين إذا رأيت نعشًا أنك ستقلب والماء يرش على بدنك، فتغسل جنازة، إذا رأيت سدرًا أو كفنًا أو حنوطًا تتيقن أنه سيوضع في مغابنك، اليقين أنك ستوضع في هذا القبر، اليقين بأنك ستبقى وحدك، اليقين أن هذه الإضاءة ستتحول إلى ظلمة في القبر، وهذا الأنس سيتحول إلى وحشة اللحد، وهذا المراح والبراح سوف يتحول إلى لحد أضيق من ضيق، إذا عشت هذا اليقين والله لو دعيت إلى كل لذة، وهيئت لك، وغلقت الأبواب دونها لأنفت منها طمعًا فيما عند الله، وخوفًا أن يفوتك فضل الله وما عنده.