إن عناية الإنسان بمنطقه وعناية الإنسان بلفظه متحريًا بذلك حُسن الخلق مما يرفعه درجةً عند الله، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (إن من أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا الموطئون أكنافًا) .
وروى أبو نعيم في الحلية، عن حماد بن زيد قال: [ما رأيت رجلًا أشد تبسمًا في وجوه الرجال من أيوب] .
وفي الحديث المتفق على صحته، عن عبد الله بن عمرو، أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (أي الإسلام خير؟ قال: أن تُطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) متفق عليه.
ذلك من خير الإسلام أن تبدأ بالسلام وتُعلن السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف.
وبالمناسبة أيها الأحبة! فإن وقوع بعض المسلمين في معصية لا يمنع من سنية بدئهم بالسلام، فتجد المسلم إذا قابل رجلًا حالقًا لحيته، قال: لا أبدأه بالسلام فهذا (حليق) ! وبعضهم إذا رأى رجلًا مدخنًا قال: أعوذ بالله، أبدأ بالسلام على رجل يدخن فلا أبدأه، وذلك من الجهل بالدين.
إن من واجبك أن تبش وتهش وتنبسط إليه وتبدأه بالسلام، وتسأله عن صحته، وإن كنت منكرًا لما ترى من حلق لحيته أو مجاهرته بدخانه، فإنك بهذا تنصحه نصيحة طيبة فتنال الأجرين، لا يفوتك أجر البدء بالسلام وتنال أجر حُسن الخلق، والبسط وحُسن الصلة مع المسلمين، وأجر النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي معنى الحديث السابق قال النووي رحمه الله: ومعنى تُقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف أي: تُسلم على كل من لقيته عرفته أم لم تعرفه ولا تخص به من تعرفه كما يفعله كثير من الناس.
هذا في زمان النووي يقول: كما يفعله كثير من الناس الذين يخصون بالسلام من يعرفون، فما بالك بهذا الزمان؟ ما بالك بنا؟ بل لقد ضيعنا كلمة (السلام) حتى أن بعضنا يدخل على القوم، فيقول: كيف الحال؟ كيف الصحة؟ أهلًا بكم، صباح الفل، صباح الورد، صباح الياسمين، صباح القشطة، صباح كذا وصباح كذا! ونسي أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! بل إن بعضهم بالهاتف: السلام عليكم، أهلًا بفلان كيف الحال؟ تردد عليه مرتين أو ثلاثًا حتى لا يفوته أجر رد السلام، وهذه من الأمور التي تعود كثير منا عليها حتى فاته كثير من الأجر، ما الذي يمنع؟ صحبت ذات مرة شخصًا من إخواننا في سفر فعجبت من كثرة إفشائه السلام على الناس، ما التفت يمنة فوجد عاملًا أو كبيرًا أو صغيرًا إلا وألقى عليه السلام، فقلت له: أراك تكثر السلام! قال: هل كنت مشغولًا معك في حديث حتى أقطعه بهذا؟ هل تراني أقرأ؟ هل تراني أصلي؟ بدلًا من أن أقلب عيناي في الجدران والحيطان والرخام والمباني والعمائر والغادين والسيارات والرائحات والشكمانات وغير ذلك بدلًا من هذا كله أقول: السلام عليكم، ففي كل تسليمة أجر عظيم، وما ظنك لو عددنا كم مررنا على شخصٍ سلمنا عليه لوجدنا أننا في نهاية المطاف قد جمعنا مئات الحسنات بمجرد إفشاء السلام.
وقال ابن حجر في معنى السلام: أي لا تخص به أحدًا تكبرًا ولا تصنعًا بل تعظيمًا لشعار الإسلام ومراعاةً لأخوة المسلمين.
وفي الحديث الذي له حكم الرفع ورواه البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عن ابن مسعود أنه مر برجل فقال: السلام عليك يا أبا عبد الرحمن، فرد عليه، ثم قال: [إنه سيأتي على الناس زمان يكون السلام فيه للمعرفة] .
وقال ابن بطال في مشروعية السلام على غير المعرفة: استفتاح للمخاطبة وللتأنيس ليكون المسلمون كلهم إخوة فلا يستوحش أحد من أحد، وفي التخصيص ما قد يوقع في الاستيحاش، وربما سبب صدود المتهاجرين أو يشبه صدود المتهاجرين الذي نهى الله عنه.
لقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطيعة الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم) رواه الإمام أحمد في مسنده.