أيها الأحبة: نقول لأولئك الذين يهمون بالسفر وقولوا لهم أنتم أيضًا: أنتم أدرى بأنفسكم: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} [القيامة:14] وما يعرف الإنسان صراحة أحد كمعرفته صراحة نفسه: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة:15] حتى لو أظهر أو أعذر أو صنع أو لفق أو جَمَّع من الأعذار والأقوال، هو أدرى بنفسه؛ هل سافر لأجل أفلام خليعة، أو لحوم رقيعة، أو لمناظر مجردة؟! هو أدرى بنفسه، من كان هذا همه فليتذكر أن أناسًا سافروا أشداء أقوياء وعادوا جنائز في التوابيت، وليتذكروا أن بعضهم سافر مبصرًا وعاد كفيفًا، وبعضهم سافر نشيطًا وعاد معوقًا مشلولًا، وبعضهم عاد بكثير من الذنوب والأوزار والسيئات مريضًا، وربما كانت نهايته في سوء خاتمته وسوء مآله وغايته ولا حول ولا قوة إلا بالله! وليتذكر أن عليه من الشهود ما لا يحصى، فأرض وطئها تشهد عليه، وملائكة كرام كاتبون يشهدون عليه، وجارحة عصى الله بها تشهد عليه، والخلق شهود عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم شاهد عليه: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا} [النساء:41] وقبل ذلك وبعده شاهد عليه: مَن لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض والسماء، شاهد عليه: مَن {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر:19] شاهد عليه: مَن يعلم كل دقيق وجليل، من يعلم ويسمع دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء.
قولوا هذا لمن علمتموه تعود السفر للتبذير وصرف المال هناك بلا فائدة، وبلا غاية وحاجة.