من أسباب انشراح الصدر: إخراج دغل القلب، الحقد، الغل، الكراهية، الكبر، بعض الناس يحمل سمات حسنة، لكن يحمل ذنوبًا كبيرة في صدره، كاحتقار الآخرين فلا يرى لهم قدرًا ولا وزنًا، ولا يراهم شيئًا أبدًا، أو حقد على شخص حدث بينه وبينه مشكلة لا ينساها أبدًا، أو لا يرى لأحد من أناس أو من أقرانه نتيجة للحساسية والتنافس في درجة واحدة لا يرى لهم قدرًا، ويتمنى الوضيعة لهم.
إن من تمام الإيمان وصدق التعبد ألا تفرح بمعصية خصمك لله وإن كانت تسرك، شخص من الناس تكرهه، وتتمنى أن الله يفضحه، لكن هل تتمنى أنه يزني فيفضحه الله بالزنا حتى تنتصر أنت، من تمام الإيمان أن تسأل الله حتى لأعدائك من المسلمين ألا يقعوا في معصية الله وسخطه وفضيحة خلقه، فسلامة القلب من الحقد والإحن والبغضاء والعداوة كل ذلك من أسباب انشراح الصدر، بعض الناس لا يبالي أبدًا ولا تهزه الرياح ولا السافيات ولا الغاديات ولا شيء أبدًا.
لا أنت قلت ولا سمعت أنا هذا كلام لا يليق بنا
إن الكرام إذا صحبتهم ستروا القبيح وأظهروا الحسنا
هذا شأن من يحرص على انشراح الصدر ويسعى إليه، فأخرج دغل القلب من الحسد والحقد والبغضاء والنميمة والغيبة والكراهية، هذا أمر مطلوب، نعم.
أنت لست مأمورًا بأن تحب الناس، إنسان لا يألو جهدًا في أذيتك ومؤامرات ضدك، وحبائل ومكائد ينصبها تجاهك، نحن لا نقول اذهب فأحبه، ولا نقول لك أن تبكي على حبه، بل من عزة النفس أن من أعرض عنك فلا تتعلق به، إياس بن أبي مريم لما قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال له عمر: [أنت إياس بن أبي مريم الذي قتلت أخي ضرار بن الخطاب؟ قال إياس: الحمد لله الذي أدخله بسببي الجنة، ولم يدخلني بسببه النار -انظر رد الجميل الممتاز أي: قتلته فمات شهيدًا، ولم يقتلني على الكفر آنذاك، فأموت كافرًا- فقال عمر: اصرف وجهك عني فإني لا أحبك] عمر صريح لا يجامل.
فقال إياس: [يا أمير المؤمنين! إن كنت لا تحبني أفينقصني هذا شيئًا من حق الله لي في بيت مال المسلمين، قال عمر: حاشا لله، معاذ الله، والله لا أنقصك شيئًا، فقال إياس: إذًًا يا أمير المؤمنين! أبغض ما شئت، فإنما يبكي على الحب النساء] .
بعض الناس مسكين، لو بغضه رئيسه أو المسئول عليه في العمل، كأنه امرأة مطلقة بغير سبب، لماذا يكرهني؟ لماذا يبغضني؟ لماذا تركني؟ كان بالأمس يحبني واليوم يبغضني، كان بالأمس يدنيني واليوم يبعدني، كان بالأمس يعطيني واليوم يمنعني، يا مسكين! تعلق بالله ولا تتعلق بالخلق، هذه من أعظم أسباب انشراح الصدر، أنك لا تمرض ولا تسقم ولا تجد مصيبتك لو أن أحد الناس غيرّ موقفه منك ما دمت على جادة الصواب، كن مثل المتنبي:
أنام ملئ جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم
بعض الناس مولع يبحث ويتحسس رضى الآخرين عنه، كيف رضاكم عنا، عساكم راضين عنا، الله لا يرضى عنه، اسأل الله أن يرضى عنك، فإن من طلب رضى الله في سخط الناس رضي الله عنه وأرضى عليه الناس، ومن طلب سخط الله برضى الناس، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، فعود نفسك على هذه المسألة.
بعض الناس يقول: يا أخي! يؤذيني الذين يخالفونني في آرائي، يزعجنني الذين ينتقدونني في مواقفي، يا مسكين! هل الناس قطع معدنية متساوية في الوزن والسكة، والحرف والرسم، والطرة والإطار، فلا يختلف بعضها عن بعض؟ لا.
ليس من العقل هذا، لا تحسب الناس طبعًا واحدًا، الناس يتباينون، لا تكن عشيقًا بطلب الرضا من الناس، بل كن حريصًا على الرضا من الله عز وجل، وحينئذ رب أقوام يرضون، وآخرين يسخطون، ثم يعود الساخطون راضين داعين متقربين معجبين، فلا تنزعج بهذا أبدًا.
أما طلب رضى الناس، مديري المباشر غير راض، وفلان غير راض، وفلان تغير موقفه مني، هذا جنون، هذا عذاب للنفس وعذاب للضمير، لا تعلق نفسك بالبشر فالبشر يتقلبون، تعلق بالله عز وجل الذي إذا تقربت إليه شبرًا تقرب إليك ذراعًا، وإذا تقربت إليه ذراعًا تقرب إليك باعًا، وإذا قدمت إليه تمشي أقبل إليك هرولة، انظر فضل الحي القيوم.
لو أن شخصًا يعمل عند تاجر أو رئيس شركة عشرين أو خمسة وعشرين سنة، وبعد هذا الزمن الطويل وقع من هذا الموظف عند هذا التاجر زلة، يمكن أنها من نوع كبير أو من نوع متوسط، فماذا كان شأن هذا التاجر؟ نسي كل ما مضى، وعاقبه عقوبة نكلت به تنكيلًا، وجعله عبرة وعظة للآخرة والأولى، بعد خمسة وعشرين سنة من نجاح وتقدم وإنجازات، وغلطة واحدة محت ومحقت كل هذا النجاح والتقدم.
لكن انظر رب العالمين عز وجل، تجد عبدًا من عباد الله عمره أربعين أو ثلاثين أو خمسة وثلاثين سنة وهو مسرف على نفسه في الذنوب والمعاصي والمنكرات والكبائر والفواحش، ثم يُقدم إلى الله بعمل صالح، وتوبة صالحة وإنابة، فيغفر الله ذلك كله، ويجعل سيئاته حسنات.
فتعاملوا مع الله، وأقبلوا على الله، وتعلقوا بالله، فلن يندم أحدٌ، ولن يُظلم أحد في تعامله مع الله عز وجل، أما الناس:
فمن يغترب عن قومه لم يزل يرى مصارع أقوام مجرًا ومسحبًا
وتدفن منه الصالحات وإن يسئ يكن ما أساء النار في رأس كبكبا