فهرس الكتاب

الصفحة 1862 من 3155

ولقد سجل الصحابة رضوان الله عليهم أروع آيات الولاء والبراء، حيث نزل في أحدهم وهو أبو عبيدة رضي الله عنه قول الله جل وعلا: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} [المجادلة:22] ففي يوم بدر تقابل أبو عبيدة عامر بن الجراح مع أبيه، تقابل معه في المعركة فقتله، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر لأبيه أبي بكر الصديق: والله لقد وقعت تحت سيفي عدة مرات فرددته عنك حياء منك يا أبي، فقال له أبو بكر: والله لو وقعت تحت سيفي مرة واحدة ما رددته عنك.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما استشاره في أسرى معركة بدر: سلمني أخي، فلأقطعن عنقه، وسلم عليًا أخاه عقيلًا فليقطع عنقه، وسلم أبا بكر ابنه فليقطع عنقه، ثم نقتلهم جميعًا، فلا يعودون يقاتلوننا، أي ولاء وبراء في هذه المواقف المذهبة والمشرقة؟! ولما قدم أبو سفيان مبعوثًا من أهل مكة ليفاوض النبي صلى الله عليه وسلم على تمديد العهد والهدنة قدم على ابنته أم حبيبة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل البيت وأراد أن يجلس على فراش مطروح على الأرض، قامت ابنته وجذبت الفراش من تحته، فقال لها: أي بنية! أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت بالفراش عني؟ فقالت: لا.

إنما هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مسلم وأنت مشرك نجس.

ولما رأى مصعب بن عمير أخاه أبا عزيز أسيرًا في معركة بدر، في قبضة سلمان الفارسي، قال له: يا سلمان! شد الوثاق على أسيرك، فإن أمه غنية، فقال له أخوه: أهكذا تقول عني؟ قال: والله إن سلمان أخي من دونك.

وعبد الله بن عبد الله بن أبي، وأبوه زعيم المدينة وكبير المنافقين، لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق، قال كبير المنافقين: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المقولة، فأرسل وراء ابنه عبد الله وهو صحابي جليل، فقال له: هل علمت ما قال أبوك؟ قال: لا.

قال: يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عبد الله بن عبد الله بن أبي: صدق يا رسول الله! أنت الأعز وهو الأذل، ولئن أمرتني يا رسول الله لآتينك برأسه ولو كان أبي! وعندما عاد إلى المدينة وقف على بابها، فعندما جاء زعيم المنافقين ابن أبي أمسك ولده بتلابيبه وقال له: أنت الذي قلت: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؟ أنت الأذل ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأعز، والله لا يؤويك ظلها -أي المدينة - أبدًا حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكاد أبوه ينفجر غيظًا وكمدًا، وصاح: يا معشر الخزرج! ابني يمنعني المدينة، وابنه يقول: والله لا تدخلها، فذهب من الصحابة من أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال لهم: مروه فليأذن له.

وبذلك تحول الولاء والبراء إلى واقع عملي يراه الناس ويقتدون به، فمسألة الولاء والبراء ترتفع بالمسلم عن حدود الجنس واللون والعرق والقبيلة والوطن، إلى سمو الإسلام وعدله ورحمته، فالمهم أن نوالي أولياء الله عربًا كانوا أو عجمًا، بيضًا كانوا أو سودًا، وإن لم نفعل ذلك تكن فتنة في الأرض وفساد عريض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت