فهرس الكتاب

الصفحة 922 من 3155

وأذكر لكم قصةً تدلل على أن الإنسان يتأثر وهو لا يشعر، وهي قصة غريية، وقد فعلت فعلًا، قيل لأحد الوزراء، وكان حاجبًا وجليسًا عند ملك من الملوك أن يحضر ليتسلم هديةً أهديت إلى الملك، فجاء الوزير واستلم الهدية، ما هي؟ حصان، فأخذ هذه الهدية، ودخل بها في إسطبل الملك، ثم جاء مع الملك، وأخذ يتأمل هذا الحصان فترةً بعد أخرى، فقال له الملك: ما تقول في هذا الحصان؟، قال: هذا حصان جيد، ومن سلالة عريقة، لكن هذا الحصان قد ربي مع بقر، فعجب الملك من ذلك عجبًا شديدًا وسكت.

وبعد مدة أهدي إلى الملك صقر-طير من الطيور طير جارح- فدعا وزيره، وقال: تعال -أيها الوزير- وانظر إلى ما أهدي إلينا اليوم، فتأمله مرارًا مرةً بعد أخرى، فقال: هذا طير جيد، لكنه قد ربي مع دجاج، فعجب الملك من ذلك عجبًا شديدًا، ثم سأل: كيف تقول: إن الحصان الذي أهدي إليَّ قد تربى مع البقر؟ وكيف تقول: إن هذا الصقر قد تربى مع الدجاج؟ قال: إني تأملت هذا الحصان فوجدته ينظف نفسه بلسانه، ولا ينظف نفسه بلسانه إلا البقر، أنتم تلاحظون البقرة، هي التي تتنظف بهذه الطريقة، فكون هذا الحصان قد تربى في حظيرة مع جملة من الأبقار، ولو كان حصانًا، فإنه سرق طباعها، وهو أعجميٌ بهيم لا عقل له، فما بالكم بالإنسان وهو يملك السمع والبصر والفؤاد، ألا يتأثر ممن حوله؟ إذا كانت هذه البهيمة تأثرت، وهي لا عقل لها ولا لب، فإن الإنسان يتأثر وهو لا يشعر.

قال: حسنًا: هذا الحصان عرفنا شأنه، فما بال هذا الطير؟، قال: إني تأملت هذا الصقر الذي أهدي إليك، فنظرته مطأطئ الرأس، ومنقاره إلى الأرض يلتقط الحب كما تلتقط الدجاج الحب، وهذه خصلة لا توجد إلا في الدجاج، أما الصقور، فهي لا تنظر إلى الأرض أبدًا، بل دائمًا تحلق بأبصارها إلى السماء، فإذا رأت فريسةً، انقضت عليها في علوها، ثم نزلت بها إلى الأرض، وما تعودت الصقور أن تأكل مما في الأرض، فهذا الصقر حينما تربى في صغره مع الدجاج، اكتسب طباع الدجاج، وهو أنه يأكل من الحب، أقول هذه القصة لإخواني الشباب، ولأبنائي الصغار الذين يسمعونها لكي يعرفوا كيف يتأثر الإنسان وهو لا يدري، إذا كان الحصان والصقر قد تأثر، وهو ليس له عقلٌ وفؤادٌ وقلبٌ يتأمل ويبصر به ويعقل به، فما بالكم بالإنسان لا شك أنه سوف يتأثر.

إذًا فعلينا أن ننتبه فيمن نخالطهم، وأن ندقق فيمن نجالسهم حتى لا نقع فريسةً لتصرفاتهم وسلوكهم وعادتهم السيئة والخبيثة.

أنتم تلاحظون الذين يجالسون العلماء، يحبون أن يلبسوا مثل لباسهم، يحبون أن يتهيئوا بمثل هيئاتهم، يحبون أن يجعلوا في مجالسهم مثل ما يجعل العلماء في مجالسهم، والذين يجالسون الفساق يحبون أن يقلدوهم في تكسرهم، أو في عباراتهم، أو في أسلوب حياتهم، أو في طريقة معاملاتهم، إذًا فالإنسان يسرق الطباع وهو لا يدري، الإنسان يسترق الأخلاق سيئها وخبيثها وعنيدها وطيبها وهو لا يدري كلٌ بحسب جليسه.

إذًا -أيها الإخوة- ينبغي أن ننتبه لهذا الأمر انتباهًا مهمًا.

يقول عقبة بن دينار: رأيت ذات مرة غرابًا وحمامةً يطيران من غصن شجرة إلى أخرى، ومن أعجب العجائب أن يطير الغراب إلى جانب الحمام، لا تشابه بينهما في الفصيلة، لا شك أن كلهم من فصيلة الطيور، لكن هذا من جهة الحمام، وهذا من جهة الغربان، فما علاقة هذا بهذا؟ قال: فتأملتهما، فإذا هو غراب أعرج وحمامة عرجاء قد جمع بينهما المشاكلة في الطباع.

إذًا: فكل جليس يهوى من يجالسه في طباعه وأخلاقه، انظروا حتى البهائم، حتى الطيور، حتى العجماوات تتأثر باختلاطها، وتتأثر بأشكالها وأجناسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت