فهرس الكتاب

الصفحة 2000 من 3155

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أوجدنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، وتفضل علينا بسائر النعم، ودفع عنا كثيرًا من النقم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن اتبع هداه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله لكم ولمن كان قبلكم: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:131] .

ولو تأملتم -معاشر المسلمين- حقيقة التقوى التي جاءت في كل صفحة من كتاب الله الكريم، وجاءت في كل نعت من نعوت المتقين المؤمنين، لوجدناها كما يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: [التقوى: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل] .

وقال عمر بن عبد العزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك فقط؛ ولكن تقوى الله: ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رُزق بعد ذلك خيرًا فهو خير إلى خير.

وقال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله.

وحسبكم -معاشر المؤمنين- بالتقوى أنها وصية الله للأمم السابقة والأمم اللاحقة، ولقد كان صلى الله عليه وسلم يوصي من يستوصيه بالتقوى.

واعلموا -معاشر المؤمنين- أن التقوى لا يلزم منها أن يكون العبد معصومًا من الذنوب والخطايا واللمم؛ بل إن العباد خطاءون، وخير الخطائين التوابون.

ويقول الله جلَّ وعَلا في محكم كتابه في سياق صفات المؤمنين: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:135] فعدَّهم من المتقين مع أنه جلَّ وعَلا قال: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران:135] ولكنهم لم يصروا على هذا الظلم وأقلعوا عن تلك المعصية.

ويقول الله جلَّ وعَلا أيضًا: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف:201] .

فهذا دليل على أن المتقين قد ينالهم ما ينالهم من مس طائف الشيطان؛ ولكن العبرة بالمتذكرين المنيبين المخبتين الأوابين إلى ربهم، وبعد ذلك ينقلبون من حال المعصية إلى حال التوبة الصادقة النصوح، وبذا يكونون في عداد المؤمنين المتقين.

أيها الأحبة: إن الشيطان يأتي إلى كثير من الناس يوم أن يفعل أحدهم معصية، أو يجترح خطيئة، ويسوِّد صفحات أعماله أمامه، ويقول له: لستَ في عداد المتقين، ولا من المؤمنين، وييئسه من رحمة الله، ويقنِّطه من عفوه ومغفرته، وبعد ذلك قد يصيب الإنسان ما يصيبه من الإصرار على المعصية يأسًا وقنوطاًَ من مغفرة الله وعفوه عنه.

لذا فمن تأمل هذه الآيات علم أن حقيقة التقوى: التزام فعل ما أمر الله به، واجتناب عما نهى عنه وحرَّمه، ولو وقع الإنسان فيما وقع من الذنوب والمعاصي فإن العبرة بالتوبة والأوبة والإنابة إلى جناب رب العالمين، وهو الذي يقول في محكم كتابه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت