الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا وهو العزيز الغفور، أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، ونثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك من يكفره، نرجو رحمته ونخشى عذابه، إن عذابه الجد بالكفار ملحق، له الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، لله الحمد كما هو أهله، لله الحمد والثناء حتى يرضى، خلقنا من العدم، وهدانا إلى الإسلام، ووفقنا إلى التوحيد، وأطعمنا وسقانا، وكفانا وأوانا، ومن كل خيرٍ سألناه أعطانا، نشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، شهادة نرجو الثبات عليها والممات عليها حتى نلقاه، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102] .
معاشر الأحبة: القلوب بطبعها ميالة إلى اللهو والعبث، والمرح والغفلة ما لم يكن من الإنسان دافعٌ لمجاهدتها وتذكيرها وتخويفها، والإمساك بزمامها وخطامها:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
فخالف النفس والشيطان واعصهما وإن هما محضاك النصح فاتهم
ولا تطع فيهما خصمًا ولا حكمًا فأنت تعرف كيد الخصم والحكم
أيها الأحبة في الله: لم نجد واعظًا للقلوب كالموت، ولم نذكر زاجرًا عن الذنوب كالموت: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق:19] {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:34] {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران:154] .
أيها الأحبة في الله: هادم اللذات، مفرق الجماعات، ميتم البنين والبنات: الموت:
هو الموت ما منه ملاذٌ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب
نؤمل آمالًا ونرجو نتاجها وعل الردى مما نرجيه أقرب
ونبني القصور المشمخرات في الهوا وفي علمنا أنا نموت وتخرب
الموت -يا عباد الله! - ما ذكر في كثيرٍ إلا قلله، ولا في شيء إلا بيَّن حقيقته، ولله الحكمة البالغة.
أيها الأحبة في الله: في الجمعة الماضية أثناء ما كنت أخطبكم على هذا المكان، وأنتم تستمعون في هذا المكان، دخل ملك الموت في هذا المسجد، وتخطى صفًا واحدًا واثنين وثلاثة وأربعة حتى بلغ الصف السادس أو السابع من آخر هذا المسجد، وقبض روح عبدٍ من عباد الله كان شاهدًا الصلاة والخطبة معنا، الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! لا إله إلا الله! لا إله إلا الله! لو تقدم ملك الموت صفًا واحدًا لقبض روحك، ولو تقدم صفوفًا أكثر لقبض روحي، ولو تأخر صفًا واحدًا لقبض روح شخصٍ آخر.
استعدوا يا عباد الله! ولمثل هذا فأعدوا، أسأل الله لميتنا الرحمة والغفران، ولذويه الصبر والسلوان، خرج من بيته إلى الجمعة لم يتخط رقبة، متطيبًا متهيئًا، حادث أهله واستأنس بأطفاله، ثم اغتسل وخرج إلى المسجد، يقود سيارته بنفسه، وجيء بسيارته إلى البيت لا يقودها هو، لبس ثوبه بنفسه ولم يخلعه بل خلع منه، دخل هذا المسجد بنفسه وخرج محمولًا.
أيها الأحبة: بعد أن دخل الخطيب وأعلن التحية بالسلام مد ميتنا مصحفه إلى من كان بجواره، فأخذ المصحف من يده ووضعه على الرف الذي أمامه، ثم جلس قليلًا يستمع الأذان ثم الخطبة، وما هي إلا لحظة أو أقل من لحظة حتى اتكأ على ظهر كف يده، فظن الذي بجواره أنه ناعسٌ أو نائم، فالتفت إليه وأيقظه، فإذ به يسمع شيئًا أشبه ما يكون بشخير النائم، ثم بعد ذلك استلقى على قفاه، الله أكبر! (من مات يوم الجمعة أمن الفتان) الله أكبر! على هذه الميتة الطيبة في هذا المكان المبارك، في هذه الساعة المباركة، في يوم جمعة خير يومٍ طلعت عليه الشمس، بعد ذلك خرج أحدهم، وكنت أراقب الأحداث وأنا أخطبكم يا عباد الله، ولا أدري هل أركز على ما أقول، أم أنظر إلى ما يدور في آخر المسجد، وما ظننت أنها ميتة، بل توقعت أنه صرعٌ أو إغماء، أو ضعفٌ أو مرضٌ مفاجئ، عند ذلك جيء بقليلٍ من الماء فرش على وجهه فلم يستطع حراكًا، ثم اجتهد الذين من حوله وحملوه على أكتفهم متمددًا هكذا، ثم خرجوا به مع الباب الشرقي، وتوجهوا إلى الإسعاف، وماذا يجدي الإسعاف؟ وماذا يجدي الطبيب إذا حضرت ساعة المنية؟ لا ينفع الطبيب ولا الحبيب.
الموت إن كان بعيدًا ينفعك أدنى قليلٍ من الدواء، وإن كان قريبًا والله لو اجتمع أطباء الأرض وكان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا ما استطاعوا أن يردوا لك نفسًا واحدًا.
الموت!!
إن نام عنك فكل طب نافع وإن لم ينم فالطب من أغنى به
ذهبوا به إلى الإسعاف، فجيء بالطبيب ووضع المنشطات ومنشط نبضات القلب يظن أن الأمر شيء آخر، وبعد أن تحسس ميتنا عليه رحمة الله إذ به يقول لذويه: لقد توفي من دقائق معدودة، فلما حسبوها إذ به وقتها قاعدٌ في هذا المسجد.
الله أكبر يا عباد الله! كفى بالموت واعظًا!! كفى بالموت واعظًا!! كفى بالموت واعظًا!! بارك الله لي ولكم في القرآن الحكيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.