وبعد ذلك من المهمات التي تعين في الطريق إلى الجنة أن ندرك حقارة الدنيا، فهذه الدنيا حقيرة، وأكبر دليلٍ على هوانها أن كل صحيحٍ لا تدوم صحته، بل يتكدر بالمرض، وكل عزيزٍ لا يدوم عزه، بل مخوفٌ بالذلة، وكل قوي لا تدوم قوته، بل مخطور بالضعف، وكل مجتمعٍ لا يدوم اجتماعه، بل يكدره الفراق، وكلٌ لا يستقيم له من أمره شيءٌ على حال، إذًا إذا عرفت حقارة هذه الدنيا، وعرفت حقارة ملذاتك فيها علمت أن دنياك حقيرة.
فاقضوا مآربكم عجالًا إنما أعماركم سفرٌ من الأسفار
طبعت على كدرٍ وأنت تريدها صفوًا من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلبٌ في الماء جذوة نار
أيها الأحبة: هذه الدنيا من تفكر في مآلها وما فيها وجد أمرًا عجبًا.
وافتكر في منتهى حسن الذي أنت تهواه تجد أمرًا جلل.
إذا كان الشراب يحتبس بولًا نجسًا تتضايق منه، تشرب ما تشتاق إليه وتتجرع ما تريده، ثم تريد التخلص منه فتراه نجسًا يخرج من جوفك، وتتلذذ بالطعام ثواني، فمدة اللذة ثوانٍ معدودة على اللسان، ثم بعد ذلك لو احتبست في الجوف هيجت كل عرقٍ ساكن، وسكنت كل عرقٍ متحرك.
أيها الأحبة: اعرف أن دنياك حقيرة، واعرف أن دنياك مهينة، ولو كانت تعدل شيئًا لما سقى الله منها كافرًا شربة ماء، ولن يعرف الطريق إلى الجنة من اغتر بنفسه، أو جهل عظمة خالقه، أو اغتر بدنياه واشتغل بها عن آخرته، هل يطمع بالجنة من قدم فلةً صغيرة على دارٍ عرضها السماوات والأرض؟! هل يطمع في الجنة من اختار إضاءةً تنطفئ واشتغل بها عن قناديل في العرش معلقة؟! هل يطمع في الجنة من اشتغل بحفنةٍ من المال عن خيرات عند الله لا تنفد: (إن آخر أهل الجنة دخولًا للجنة من يساوي ملكه مثل ملك أعظم ملكٍ في الدنيا عشر مرات) ؟ هذا آخر رجل يدخل الجنة ملكه يساوي مُلْكَ مَلِك من أهل الدنيا عشر مرات، فالذي يقدم دارًا صغيرة أو يقدم عرضًا حقيرًا تافهًا من الدنيا على مرضاة الله، أتراه يشتاق إلى الجنة شوقًا يبلغه إليها؟ والله إنه لأمرٌ عجيب!